Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
بينه وبين أخيه وأخرجه من أيدي إخوته بغير اختيارهم كما أخرجوا يوسف من يد أبيه بغير اختياره، وكاد له عوض كيد المرأة بأن أخرجه من ضيق السجن إلى فضاء الملك ومكنه في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء وكاد له في تصديق النسوة اللاتي كذبنه وراودنه حتى شهدن ببراءته وعفته، وكاد له في تكذيب امرأة العزيز لنفسها واعترافها بأنها هي التي راودته، وأنه من الصادقين فهذه عاقبة من صبر على كيد الكائد له بغياً وعدواناً.
[إعلام الموقعين ٣/ ٢١٢]
قال ابن القيم - رحمه الله -:
وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه يجوز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق.
قال شيخنا: وهذه الحجة ضعيفة، فإن يوسف -عليه السلام- لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه، ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال قد اقتص منه وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك نعم كان تخلفه عنهم مما يؤذيهم لتأذي أبيهم وللميثاق الذي أخذه عليهم وقد استثنى في الميثاق بقوله ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ وقد أحيط بهم ويوسف - عليه السلام - لم يكن قصده باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وإن كان في ضمن ما فعل من تأذي أبيه أعظم من أذى إخوته فإنما ذلك أمر أمره الله - تعالى - به ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي استحق به يوسف ويعقوب - عليهما السلام - كمال الجزاء وعلو المنزلة وتبلغ حكمة الله - تعالى - التي قدرها وقضاها نهايتها ولو فرض أن يوسف - عليه السلام - قصد الاقتصاص منهم بما فعل فليس هذا بموضع خلاف بين العلماء فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به وإنما موضع الخلاف هل له أن يخونه كما خانه أو يسرقه كما سرقه ولم تكن قصة يوسف عليه السلام من هذا النوع.
نعم لو كان يوسف - عليه السلام - أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة مع أنه لا شبهة له أيضا على هذا التقدير، فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق ولو كان يوسف قد أخذ أخاه واعتقله بغير رضاه كان في هذا ابتلاء من الله - تعالى - لذلك المعتقل كأمر إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه فيكون المبيح له على هذا التقدير وحياً خاصاً كالوحي إلى إبراهيم - عليه السلام - بذبح ابنه وتكون حكمته في حق الأخ
339