340

Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām

ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام

Publisher

دار القاسم

Publication Year

1427 AH

منه لذلك المعتقل كما ابتلى إبراهيمَ بذبح ابنه فيكون المبيع له على هذا التقدير وحياً خاصاً كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه، وتكون حاله في هذا كحال أبيه يعقوب في احتباس يوسف عنه، وهذا معلوم من فقه القصة وسياقها ومن حال يوسف، ولهذا قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مِّن نَّشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦] فنسب الله تعالى هذا الكيد إلى نفسه كما نسبه إلى نفسه في قوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ -١٦] وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا﴾ [النمل: ٥٠] وفي قوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] وقد قيل إنَّ تسمية ذلك مكراً وكيداً واستهزاء وخداعاً من باب الاستعارة ومجاز المقابلة نحو ﴿وَجزاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] ونحو قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقيل: وهو أصوب بل تسميته ذلك حقيقة على بابه، فإن المكر إيصالُ الشيء إلى الغير بطريق خفي وكذلك الكيد والمخادعة، ولكنه نوعان: قبيح وهو إيصال ذلك لمن لا يستحقه، وحسن وهو إيصاله إلى مستحقه عقوبةً له فالأول مذموم والثاني ممدوح، والرب - تعالى - إنما يفعل من ذلك ما يحمد عليه عدلاً منه وحكمة وهو- تعالى - يأخذ الظالم والفاجر من حيث لا يحتسب لا كما يفعل الظلمة بعباده، وأما السيئة فهي فيعلة مما يسوء، ولا ريب أن العقوبة تسوء صاحبها فهي سيئة له حسنة من الحكم العدل.

وإذا عرفتَ ذلك فيوسف الصديق كان قد كيد غير مرة أوّلها أن إخوته كادوا به كيداً حيث احتالوا به في التفريق بينه وبين أبيه، ثم إن امرأة العزيز كادته بما أظهرت أنه راودها عن نفسها ثم أودع السجن ثم إن النسوة كادوه حتى استعاذ بالله من كيدهن فصرفه عنه، وقال له يعقوب: ﴿لا تَقْصُصْ رُءْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾ [يوسف: ٥] وقال الشاهد لامرأة العزيز﴿إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨] وقال تعالى: في حقِ النسوة ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ﴾ [يوسف: ٣٤] وقال للرسول ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٠] فكاد الله له أحسن كيد وألطفه وأعدله، بأن جمع

338