Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
المرموز ولهذا يُسمى خونة الدواوين لصوصاً.
والثاني: أن المنادي هو الذي قال ذلك من غير أمر يوسف، قال القاضي أبو يعلى وغيره: أمر يوسف بعض أصحابه أن يجعل الصواع في رحل أخيه ثم قال بعض الموكلين وقد فقدوه ولم يدر من أخذه ﴿أَيّهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ على ظنَّ منهم أنهم كذلك من غير أمر يوسف لهم بذلك، أو لعل يوسف قد قال للمنادي: هؤلاء سرقوا وعني أنهم سرقوه من أبيه والمنادي فهم سرقة الصواع فصدق يوسف في قوله وصدق المنادي، وتأمل حذف المفعول في قوله ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ ليصح أن يضمن سرقتهم ليوسف فيتم التعريض ويكون الكلام صدقا وذكر المفعول في قوله ﴿نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ﴾ وهو صادق في ذلك فصدق في الجملتين معاً تعريضاً وتصريحاً وتأمل قول يوسف ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَن نَّأْخُذَ إِلَّا مَن وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِندَهُ﴾ [يوسف: ٧٩] ولم يقل إلا من سرق وهو أخصر لفظاً تحرياً للصدق فإن الأخ لم يكن سارقاً بوجه وكان المتاع عنده حقاً فالكلام من أحسن المعاريض وأصدقها.
ومثل هذا قول الملكين لداود -عليه السلام- ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] إلى قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي غلبني في الخطاب، ولكن تخريج هذا الكلام على المعاريض لا يكاد يتأتَّى وإنما وجهه أنه كلام خرج على ضرب المثال أي إذا كان كذلك فكيف الحكم بيننا.
ونظير هذا قول الملك للثلاثة الذين أراد الله أن يبليهم: مسكين وغريب وعابر سبيل: وقد تقطعت بي الحبال ولا بلاغ لي اليوم إلا بالله ثم بك فأسألك بالذي أعطاك هذا المال بعيراً أتبلغ به في سفري هذا، وهذا ليس بتعريض وإنما هو تصريح على وجه ضرب المثال وإيهام أني أنا صاحب هذه القضية، كما أوهم الملكان داود أنهما صاحبا القصة ليتم الامتحان.
ولهذا قال نصر بن حاجب: سئل ابن عيينة عن الرجل يعتذر إلى أخيه من الشيء الذي قد فعله ويحرف القول فيه ليرضيه: لم يأثم في ذلك فقال: ألم تسمع قوله ليس بكاذب من أصلح بين الناس يكذب فيه فإذا أصلح بينه وبين أخيه المسلم خير من أن يصلح بين الناس بعضهم من بعض، وذلك إذا أراد به مرضاة الله وكره أذى المؤمن ويندم على ما كان منه ويدفع شره عن نفسه، ولا يريد بالكذب اتخاذ المنزلة
336