Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
كما في نظائرها، فعلم أن الله - سبحانه وتعالى - إنما أفتاه بهذا جزاءً له على صبره وتخفيفاً عن امرأته ورحمة بها لا أنَّ هذا موجب هذه اليمين وأيضا فإن الله - سبحانه وتعالى - إنما أفتاه بهذه الفتيا لئلا يحنث كما أخبر - تعالى -.
وهذا يدل على أن كفارة الأيمان لم تكن مشروعة بتلك الشريعة، بل ليس في اليمين إلا البر والحنث كما هو ثابت في نذر التبرر في شريعتنا، وكما كان في أول الإسلام قالت عائشة - رضي الله عنها - (لم يكن أبو بكر يحنث في يمين حتى أنزل الله كفارة اليمين) فدل على أنها لم تكن مشروعة في أول الإسلام، وإذا كان كذلك صار كأنه قد نذر ضربها وهو نذر لا يجب الوفاء به لما فيه من الضرر عليها ولا يغني عنه كفارة يمين، لأن تكفير النذر فرع عن تكفير اليمين فإذا لم تكن كفارة النذر إذ ذاك مشروعة فكفارة اليمين أولى، وقد علم أن الواجب بالنذر يحتذى به حذو الواجب بالشرع وإذا كان الضرب الواجب بالشرع يجب تفريقه إذا كان المضروب صحيحاً ويجوز جمعه إذا كان المضروب مريضاً مَأْيُوساً منه عند الكل أو مريضاً على الإطلاق عند بعضهم كما ثبتت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ جاز أن يقام الواجب بالنذر مقام ذلك عند العذر.
وقد كانت امرأة أيوب - عليه السلام - ضعيفة عن احتمال مائة الضربة التي حلف أن يضربها إياها، وكانت كريمةً على ربها فخفف عنها برحمته الواجب باليمين بأن أفتاه بجمع الضربات بالضغث، كما خفف عن المريض ألا ترى أن السنة قد جاءت فيمن نذر الصدقة بجميع ماله أنه يجزيه الثلث فأقام الثلث في النذر مقام الجميع رحمة بالناذر وتخفيفاً عنه كما أقيم مقامه في الوصية رحمةً بالوارث ونظراً له وجاءت السنة فيمن نذرت الحج ماشيةً أن تركب وتُهدي إقامةً لترك بعض الواجب بالنذر مقام ترك الواجب بالشرع في المناسك عند العجز عنه كطواف الوداع عن الحائض، وأفتى ابن عباس وغيره من نذر ذبح ابنه بشاة إقامة لذبح الشاة مقام ذبح الابن كما شرع ذلك للخليل، وأفتى أيضاً من نذر أن يطوف على أربع بأن يطوف أسبوعين إقامة لأحد الأسبوعين مقام طواف اليدين، وأفتى أيضاً هو وغيره من الصحابة - رضي الله عنهم - المريض الميئوس منه والشيخ الكبير الذي لا يستطيع الصوم بأن يفطرا ويطعما كل يوم مسكيناً إقامة للإطعام مقام الصيام، وأفتى أيضاً
332