Mā rawāhu Ibn al-Qayyim ʿan Shaykh al-Islām
ما رواه ابن القيم عن شيخ الإسلام
Publisher
دار القاسم
Publication Year
1427 AH
وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٨-٩] وقال تعالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] وقال في أهل العهد ﴿وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٦٢] فأخبر - سبحانه وتعالى - أن هؤلاء المخادعين مخدوعون وهم لا يشعرون أن الله - تعالى - خادع من خدعه، وأنه يكفي المخدوع شرَّ من خدعه، والمخادعة هي الاحتيال والمراوغة بإظهار الخير مع إبطان خلافه ليحصل مقصود المخادع وهذا موافق الاشتقاق اللفظي في اللغة فإنهم يقولون طريق خيدع إذا كان مخالفاً للقصد لا يُشعر به ولا يفطن له، ويقال للسراب الخيدع لأنه يغرّ من يراه وضب خدع أي مراوغ، كما قالوا أخدع من ضب، ومنه الحرب خدعة، وسوق خادعة أي متلونة، وأصله الإِخفاء والستر ومنه سميت الخزانة مخدعاً. فلما كان القائل (آمنت) مظهرا لهذه الكلمة غير مريد حقيقتها المرعية المطلوبة شرعاً بل مريد لحكمها وثمرتها فقط مخادعاً كان المتكلم بلفظ بعت واشتريت وطلقت ونكحت وخالعت وآجرت و ساقيت وأوصيت غير مريد لحقائقها الشرعية المطلوبة منها شرعاً بل مريد لأمور أخرى غير ما شرعت له أو ضد ما شرعت له مخادعاً ذاك مخادع في أصل الإِيمان وهذا مخادع في أعماله وشرائعه.
قال شيخنا: وهذا ضرب من النفاق في آيات الله - تعالى - وحدوده، كما أن الأول نفاق في أصل الدين. يؤيد ذلك ما رواه سعيد بن منصور عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه جاءه رجل فقال إن عمي طلق امرأته ثلاثاً أيحلها له رجل؟ فقال: من يخادع الله يخدعه. وعن أنس بن مالك أنه سُئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال: إنَّ الله تعالى لا يُخدع، هذا مما حرم الله - تعالى - ورسوله [رواه أبو جعفر محمد بن سليمان المعروف بمطين في كتاب البيوع له].
وعن ابن عباس أنه سئل عن العينة يعني بيع الحريرة فقال: إن الله لا يخدع، هذا مما حرم الله - تعالى - ورسوله [رواه الحافظ أبو محمد النخشبي].
فسمى الصحابة من أظهر عقد التبايع ومقصوده به الربا خداعاً لله، وهم المرجوع إليهم في هذا الشأن والمعول عليهم في فهم القرآن، وقد تقدم عن عثمان وعبدالله بن عمر وغيرهما أنهما قالا في المطلقة ثلاثاً: لا يحلها إلا نكاح رغبة لا نكاح دلسة.
319