378

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

وأولادهم من القتل ونساءهم من الاستحياء ، وخلصهم من البلاء ، ومكنهم في الأرض ، وجعلهم ملوكا ، وجعلهم الوارثين بعد أن كانوا عبيدا للقبط ، وأهلك أعداءهم وأورثهم أرضهم وديارهم ، وأموالهم ، وأنزل عليهم [ الكتب العظيمة ، وجعل فيهم أنبياء ، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين ، وظلل عليهم الغمام ، وأنزل عليهم ] المن والسلوى ، وأعطاهم الحجر ليسقيهم ما شاءوا من الماء متى أرادوا ، فإذا استغنوا عن الماء رفعوها فاحتبس الماء عنهم ، وأعطاهم عمودا من النور يضيء لهم بالليل ، وكانت رؤسهم لا تتشعث وثيابهم لا تبلى . رواه ' ابن عباس ' | فصل في سبب تذكيرهم بهذه النعم | قال ابن الخطيب : إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه : أحدها : أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد صلى الله عليه وسلم وهي التوراة والإنجيل ، والزبور . وثانيها : أن كثرة النعم توجب عظم المعصية ، فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليها من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن . وثالثها : أن تذكر النعم الكثيرة يفيد الحياء عن إظهار المخالفة . ورابعها : أن تذكر النعم الكثيرة يفيد أن المنعم خصم من بين سائر الناس بها ، ومن خص أحدا بنعم كثيرة ، فالظاهر أن تذكر تلك النعم يطمع في النعم الآتية ، وذلك الطمع مانع من إظهار المخالفة والمخاصمة . فإن قيل : إن هذه النعم إنما كانت على المخاطبين وأسلافهم ، فكيف تكون نعمة عليهم ؟ فالجواب : لولا هذه النعم على آبائهم لما بقوا ، فصارت النعم على الآباء نعمة على الأبناء ، وأيضا فالانتساب إلى الآباء المخصوصين بنعم الدين والدنيا نعمة عظيمة في حق الأولاد ، وأيضا فإن الأولاد متى سمعوا أن الله - تعالى - خص آباءهم بهذه النعم لطاعتهم وإعراضهم عن الكفر رغب الولد في هذه الطريقة ؛ لأن الولد مجبول على الاقتداء بالأب في أفعال الخير ، فيصير هذا التذكر داعيا إلى الاشتغال بالخيرات | قوله : ^ ( التي أنعمت ) ^ . ' التي ' صفة ' النعمة ' والعائد محذوف . فإن قيل : من شرط [ حذف ] عائد الموصول إذا كان مجرورا أن يجر الموصول بمثل ذلك الحرف ، وأن يتحد متعلقهما ، وهنا قد فقد الشرطان ، فإن الأصل : التي أنعمت بها . فالجواب : إنما حذف بعد أن صار منصوبا بحذف حرف الجر اتساعا فبقي ' أنعمتها ' وهو نظير { ك ? لذي خاضو ? ا } [ التوبة : 69 ] في أحد الأوجه , وسيأتي إن شاء الله تعالى . و ' عليكم ' متعلق به , وأتى ب ' على ' دلالة على شمول النعمة لهم . قوله : { وأوفوا بعهدي ? أوف بعهدكم } . هذه جملة أمرية عطف على الأمكرية قبلها . ويقال : ' أوفى ' , و ' وفى ' مشددا ومخففا ثلاث لغات بمعنى ؛ قال الشاعر : [ البسط ] 429 أما ابن [ طوق ] فقد أوفى بذمته | كما وفى بقلاص النجم حاديها | فجمع بين اللغتين . وقيل : يقال : أوفيت ووفيت بالعهد , وأوفيت الكيل لا غير , وعن بعضهم : أن اللغات الثلاث واردة في القرآن . أما ' أوفى ' فكهذه الآية . وأما ' وفى ' بالتشديد فكقوله : { وإبراهيم ? لذي وفى ? } [ النجم : 37 ] . وأما ' وفى ' بالتخفيف , فلم يصرح به , وإنما أخذ من قوله تعالى : { أوفى ? بعهده من ? لله } [ التوبة : 111 ] وذلك أن ' أفعل ' التفضيل لا يبنى إلا من الثلاثي كالتعجب هذا هو المشهور , وإن كان في المسألة كلام كثير ويحكى أن المستنبط لذلك أبو القاسم الشاطبي . ويجيء ' أوفى ' بمعنى : ارتفع ؛ قال : [ المديد ] 430 ربما أوفيت في علم | ترفعن ثوبي شمالات

و ' بعهدي ' متعلق ب ' أوفوا ' , و ' العهد ' مصدر , ويحتمل إضافته للفاعل أو المفعول . والمعنى : بما عاهدتكم عليه من قبول الطاعة , ونحوه : { ألم أعهد إليكم ي ? بني ? آدم } [ يس : 60 ] أو بما عاهدتموني عليه , ونحوه : { ومن أوفى ? بما عاهد عليه ? لله } [ الفتح : 10 ] , { صدقوا ما عاهدوا ? لله عليه } [ الأحزاب : 23 ] . و ' أوف ' مجزوم على جواب الأمر , وهل الجازم الجملة الطلبية نفسها لما تضمنته من معنى الشرط , أو حرف شرط مقدر تقديره : إن توفوا بعهدي أوف ؟ قولان . | وهكذا كل ما جزم في جواب طلب يجري فيه هذا الخلاف . | وقرأ الزهري : ' أوف ' بفتح الواو وتشديد الفاء للتكثير . | و ' بعهدكم ' متعلق به [ وهذا ] محتمل للإضافة إلى الفاعل , أو المفعول على ما تقدم . |

فصل في المراد بالعهد المأمور بوفائه

في العهد المأمور بوفائه قولان : | أحدهما : أنه جميع ما أمر الله به

Page 10