Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
الجنة مندوحة عن الشجرة , قال : بلى يا رب وعزتك , ولكن ما ظننت أن احدا يحلف بك كاذبا قال : فبعزتي لأهبطنك إلى الأرض , ثم لا تنال العيش إلا كدا , فأهبطا من الجنة , فكانا يأكلان فيها رغدا فعلم [ صنعة ] الحديد , وامر بالحرث فحرث وزرع وسقى , حتى إذا بلغ حصد , ثم داسه , ثم ذراه , ثم طحنه , ثم خبزه , ثم أكله , فلم يبلغه حتى بلغ منه ما شاء الله تعالى . ويروي أن ' إبليس ' أخذ من الشجرة التي نهى آدم - عليه الصلاة والسلام - عنها فجاء بها إلى حواء فقال : انظري إلى هذه الشجرة ما أطيب ريحها , وأطيب طعمها , وأحسن لونها , فلم يزل يغويها حتى أخذتها فأكلتها وقالت لآدم : كل فإني قد أكلت فلم تضرني , فأكل منها فبدت لهما سوآتهما , [ وبقيا ] عرايا , فطلبا ما يستتران به , فتباعدت الأشجار عنهما , وبكتوه بالمعصية , فرحمته شجرة التين , فأخذ من ورقها , فاستتروا به فبلي بالعري دون الشجر . | وقيل لحواء : كما أدميت الشجرة , فذلك يصيبك الدم كل شهر , وتحملين وتضعين كرها , وتشرفين [ به ] على المضوت , وزاد الطبري والنقاش , وتكونين سفيهة وقد كنت حليمة [ ولعنت ] الحية وردت قوائمها في جوفها , وجعلت العداوة بينها وبين بني آدم , ولذلك أمرنا بقتلها . قوله : { ? هبطوا } جملة أمرية في محل نصب بالقول قبلها , وحذفت الألف من ' اهبطوا ' في اللفظ ؛ لأنها ألف وصل , وحذفت الألف من ' قلنا ' في اللفظ ؛ لسكونها وسكون الهاء بعدها . | وقرئ : ' اهبطوا ' بضم الباء , وهو كثير في غير المتعدي . | وأما الماضي ف ' هبط ' بالفتح فقط , وجاء في مضارعه اللغتان , والمصدر ' الهبوط ' بالضم , وهو النزول . | وقيل : الانتقال مطلقا . | وقال المفضل : الهبوط : الخروج من البلد , وهو - أيضا - الدخول . | وفيه نظر : لأن ' إبليس ' حين أبى عن السجود أخرج من الجنة لقوله تعالى : { ف ? هبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها } [ الأعراف : 13 ] وقوله : { ف ? خرج منها فإنك رجيم } [ الحجر : 34 ] وزلة آدم وحواء إنما وقعت بعد ذلك بمدة طوسلة , فكيف يكون متناولا له فيها وهو من الأضداد ؟ | والضمير في ' اهبطوا ' الظاهر أنه لجماعة , فقيل : لآدم وحواء والحية وإبليس . | وقيل : لهما وللحية . وفيه بعد ؛ لأن المكلفين بالإجماع هم الملائكة والجن والإنس . | وقيل : لهما وللوسوسة . وفيه بعد . | وقيل : لبني آدم وبني إبليس , وهذا وإن كان نقل عن ' مجاهد والحسن ' لا ينبغي أن يقال ؛ لأنهما لم يولد لهما في الجنة بالاتفاق . وقال الزمخشري : إنه يعود لآدم وحواء , والمراد هما وذريتهما ؛ لأنهما لما كانا أصل الإنس ومتشعبهم جعلا كأنهما الإنس كلهم , ويدل عليه : { قال ? هبطا منها جميعا } [ طه : 123 ] . وهذا ضعيف ؛ لأن الذرية ما كانوا موجودين في ذلك الوقت , فكيف يتناولهم الخطاب ؟ أما من زعم ان أقل الجمع اثنان , فلا يرد عليه شيء من هذا . | قوله : { بعضكم لبعض عدو } هذه جملة من مبتدأ وخبر , وفيها قولان : | أصحهما : أنها في محل نصب على الحال , أي اهبطوا متعادين . | والثاني : أنها لا محل لها ؛ لأنها استئناف إخبار بالعداوة . | وأفرد لفظ ' عدو ' وإن كان المراد به جمعا لأحد وجهين : | إما اعتبارا بلفظة ' بعض ' فإنه مفرد , وإما لأن ' عدوا ' أشبه بالمصادر في الوزن ك ' القبول ' ونحوه . | وقد صرح ' أبو البقاء ' بأن بعضهم جعل ' عدوا ' مصدرا , قال : وقيل : ' عدو ' مصدر ك ' القبول والولوع ' , فلذلك لم يجمع . | وعبارة ' مكي ' قريبة من هذا . فإنه قال : وإنما وحد وقبله جمع ؛ لأنه بمعنى المصدر , تقديره : ' ذوي عداوة ' ونحوه : { فإنهم عدو لي ? } [ الشعراء : 77 ] و { هم ? لعدو ف ? حذرهم } [ المنافقون : 4 ] . | واشتقاق العدو من ' عدا ' - ' يعدو ' : إذا ظلم . | وقيل : من ' عدا ' - ' يعدو ' : إذا جاوز الحق , وهما متقاربان . | وقيل : من عدوتي الجبل , وهما طرفاه , فاعتبروا بعد ما بينهما . ويقال : عدوة , وقد يجمع على ' اعداء ' . | فأما حصول العداوة بين آدم ولإبليس فلقوله تعالى : { ي ? آدم إن ه ? ذا عدو لك ولزوجك } [ طه : 117 ] , وقوله : { إن ? لشيطان لكم عدو ف ? تخذوه عدوا } [ فاطر : 6 ] . | وأما عداوة الحية فلما نقله أهل التفسير من إدخاله إبليس في فيها , وقوله صلى الله عليه وسلم : ' اقتلوا الحيات صغيرها وكبيرها وأبيضها وأسودها , فإن من قتلها كانت له فداء من النار ومن قتلته كان شهيدا ' . وما كان من الحيات في البيوت فلا يقتل حتى يؤذن ثلاثة أيام ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن بالمدينة جنا قد أسلموا , فإذا رأيتم منهم شيئا فآذنوه ثلاثة أيام , فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان ' . وفي رواية : ' إن لهذه البيوت عوامر فإذا رأيتم شيئا منها فحرجوا عليها ثلاثا , فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر ' . وصفة الإنذار أن يقول : أنذرتكم بالعهد الذي أخذه عليكم سليمان - عليه الصلاة والسلام - أن تخرجوا . | واما كون الجن حيات فلقوله عليه الصلاة والسلام : ' الجن على ثلاثة أثلاث فثلث لهم أجنحة يطيرون في الهواء , وثلث حيت وكلاب , وثلث يحلون ويظعنون ' . واللام في ' لبعض ' متعلقة ب ' عدو ' , فلما قدم عليه انتصب حالا , فتتعلق اللام حينئذ بمحذوف , وهذه الجملة الحالية لا حاجة إلى ادعاء حذف ' واو ' الحال منها ؛ لأن الربط حصل بالضمير , وإن كان الكثر في الجمل الاسمية الواقعة حالا أن تقترن بالواو . | و ' البعض ' في الأصل مصدر بعض الشيء يبغضه , إذا قطعه فأطلق على القطعة من الناس ؛ لأنها قطعة منه , وهو مقابل ' كلا ' , وحكمه حكمه في لزوم الإضافة معنى , وأنه معرفة بنية الإضافة فلا تدخل عليه ' أل ' وينتصب عنه الحال ؛ تقول : ' مررت ببعض جالسا ' وله لفظ ومعنى , وقد تقدم تقرير ذلك . |
تنبيه
من قال : إن جنة آدم كانت في السماء فسر الهبوط بالنزول من العلو إلى
Page 571