Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
, هل فعله ناسيا أو ذاكرا ؟ | قال طائفة من المتكلمين : فعله ناسيا , واحتجوا بقوله تعالى : { فنسي ولم نجد له عزما } [ طه : 115 ] ومثلوه بالصائم إذا أكل ناسيا , وهذا باطل من وجهين : | الأول : قوله تعالى : { ما نهاكما ربكما عن ه ? ذه ? لشجرة إلا أن تكونا ملكين } [ الأعراف : 20 ] . | وقوله : { وقاسمهمآ إني لكما لمن ? لناصحين } [ الأعراف : 21 ] يدل على أنه ما نسي النهي حال الإقدام . | الثاني : أنه لو كان ناسيا لما عوتب على ذلك الفعل . | أما من حيث العقل فلأن الناسي غير قادر على الفعل فلا يكون مكلفا به لقوله تعالى : { لا يكلف ? لله نفسا إلا وسعه } [ البقرة : 286 ] . | وأما من حيث النقل فلقوله عليه الصلاة والسلام : ' رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ' . وقد يجاب عن الأول بأنا لا نسلم أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - قبلا من إبليس ذلك الكلام وصدقاه ؛ لأنهما لو صدقاه لكانت معصيتهما في ذلك التصديق أعظم من أكل الشجرة ؛ لأن إبليس لما قال لهما : { ما نهاكما ربكما عن ه ? ذه ? لشجرة إلا أن تكونا ملكين } [ الأعراف : 20 ] الآية فقد ألقى إليهما سوء الظن بالله - تعالى - ودعاهما إلى ترك التسليم لأمره , والرضا بحكمه , وان يعتقدوا فيه كون إبليس ناصحا لهما , وأن الرب - تعالى - قد غضهما ولا شك أن هذه الأشياء أعظم من أكل الشجرة , فوجب أن تكون المعاتبة في ذلك أشد , وأيضا آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما بتمرد ' إبليس ' , وكونه مبغضا له وحاسدا له , فكيف يجوز من العاقل أن يقبل قول عدوه مع هذه القرائن , وليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل عند ذلك الكلام . | وأما الجواب الثاني : فهو أن العتاب إنما حصل على قلة التحفظ من سباب النسيان , وهذا الضرب من السهو موضوع عن المسلمين , وقد كان يجوز أن يؤاخذوا به , وليس بموضوع عن الأنبياء لعظم خطرهم ومثلوه بقوله : { ي ? نسآء ? لنبي لستن كأحد من ? لنسآء } [ الأحزاب : 32 ] , ثم قال : { من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها ? لعذاب ضعفين } [ الأحزاب : 30 ] . | وقال عليه الصلاة والسلام : ' أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل ' , ولقد كان على النبي صلى الله عليه وسلم من التشديدات في التكليف ما لم يكن على غيره . وذكر بعض المفسرين أن حواء سقته الخمر , فسكر وزفي أثناء السكر فعل ذلك قالوا وهذا ليس ببعيد ؛ عليه الصلاة والسلام - كان مأذونا له في تناول كل الأشياء سوى تلك الشجرة , فكان مأذونا له في تناول الخمر , ولقائل أن يقول : إن خمر الجنة لا يسكر لقوله تعالى في صفة خمر الجنة : { لا فيها غول } [ الصافات : 47 ] . | القول الثاني : أن آدم - عليه الصلاة والسلام - فعله عامدا ؛ فها هنا قولان : | أحدهما : أن ذلك النهي نهي تنزيه , لا نهي تحريم , وقد تقدم . | الثاني : أنه تعمد وأقدم على الكل بسبب اجتهاد أخطأ فيه , وذلك لا يقتضي كون الذنب كبيرة , وهذا اختيار أكثر المعتزلة . | وبيان خطأ الاجتهاد أنه لما قيل له : { ولا تقربا ه ? ذه ? لشجرة } [ الأعراف : 19 ] فلفظ ' هذه ' يشار به إلى الشخص , وقد يشار به إلى النوع , كما روي أنه - عليه الصلاة والسلام - اخذ حريرا وذهبا بيده وقال : ' هذان حلال لإناث أمتي حرام على ذكرها ' وأراد به توعهما , وتوضأ مرة وقال : ' هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به ' وأراد نوعه , فلما سمع آدم - عليه الصلاة والسلام - قوله : ' ولا تقربا هذه الشجرة ' ظن أن النهي إنما يتناول تلك الشجرة المعينة , فتركها وتناول من شجرة أخرى من ذلك النوع , فكان مخطئا في ذلك الاجتهاد ؛ لأن مراد الله - تعالى - النهي عن النوع لا عن الشخص . | والاجتهاد في الفروع إذا كان خطأ لا يوجب استحقاق العقاب لاحتمال كونه صغيرة مغفورة كما في شرعنا . | فغن قيل : الكلام على هذا القول من وجوه : | أحدها : أن كلمة ' هذا ' في أصل اللغة للإشارة إلى الشيء الحاضر , وهو لا يكون إلا شيئا معينا , فإن أشير بها إلى النوع , فذاك على خلاف الأصل , وأيضا فأنه - تعالى - لا تجوز الإشارة عليه , فوجب ان يكون أمر بعض الملائكة بالإشارة إلى ذلك الشخص , فكان ما عداه خارجا عن النهي لا محالة , وإذا ثبت هذا فالمجتهد مكلف يحمل اللفظ على حقيقته , فأدم - عليه الصلاة والسلام - لما حمل لفظ ' هذه ' على المعين كان قد فعل الواجب , ولا يجوز له حمله على النوع , وهذا متأيد بأمرين : | أحدهما : أن قوله : { وكلا منها رغدا حيث شئتما } [ البقرة : 35 ] أفاد الإذن في تناول كل ما في الجنة إلا ما خصه الدليل . | والثاني : أن العقل يقتضي حل الانتفاع بجميع المنافع إلا ما خصه الدليل , والدليل المخصص لم يدل على ذلك المعين , وإذا ثبت هذا امتنع أن يستحق بسبب تناول غيره وغن كان من ذلك النوع المنهي عنه عتابا , فوجب على هذا أن يكون مصيبا لا مخطئا . | الاعتراض الثاني : هب أن لفظة ' هذه ' مترددة بين الشخص والنوع , ولكن هل قرن الله بهذا اللفظ ما يدل على أن المراد منه النوع دون الشخص أو لا ؟ | فإن قرن به , فإما أن يقال : إن آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في معرفة ذلك البيان , فحينئذ يكون قد أتى بالذنب وإن لم يقصر بل عرفه , فحينئذ يكون إقدامه على التناول من شجرة من ذلك النوع إقداما على الذنب قصدا . الاعتراض الثالث : أن الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - لا يجوز لهم الاجتهاد ؛ لأن الاجتهاد إقدام على العمل بالظن وذلك إنما يجوز في حق من لا يتمكن من تحصيل العلم , أما الأنبياء فإنهم قادرون على تحصيل اليقين , فوجب ألا يجوز لهم الاجتهاد ؛ لأن الاكتفاء بالظن مع القدرة على تحصيل اليقين غير جائز عقلا وشرعا , وذا ثبت ذلك ثبت أن افقدام على الاجتهاد معصية . | الاعتراض الرابع : هذه المسألة إما أن تكون من المسائل القطعية أو الظنية , فإن كانت من القطيعات كان الخطأ فيها كبيرا , وحينئذ يعود الإشكال , وإن كانت من الظنيات فإن قلنا : إن كل مجتهد مصيب فلا يتحقق الخطأ فيها أصلا . | وإن قلنا : المصيب فيها واحد , والمخطيء فيها معذور بالاتفاق , فكيف صار هذا القدر من الخطأ سببا لإخراج آدم - عليه الصلاة والسلام - من الجنة ؟ | والجواب عن الأول : أن لفظة ' هذا ' وإن كان في الأصل إشارة إلى الشخص , لكنه قد يستعمل في الإشارة إلى النوع كما تقدم بيانه . | والجواب عن الثاني : أن الله - سبحانه وتعالى - كان قد قرن به ما دل على أن المراد هو النوع , لكن لعل آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في معرفة ذلك الدليل ؛ لأنه ظن أنه لا يلزمه ذلك في الحال . | أو يقال : إنه عرف ذلك الدليل في وقت ما نهاه الله - تعالى - عن عين الشجرة , فلما طالت المدة غفل عنه , لأن في الخبر أن آدم - عليه الصلاة والسلام - بقي في الجنة الدهر الطويل , ثم اخرج . | والجواب عن الثالث : أنه لا حاجة ها هنا إلى إثبات أن الأنبياء تمسكوا بالاجتهاد , فإنا بينا أن آدم - عليه الصلاة والسلام - قصر في معرفة تلك الدلالة , وإن كان قد عرفها , لكنه قد نسيها , وهو المراد من قوله تعالى : { فنسي ولم نجد له عزما } [ طه : 115 ] . | والجواب عن الرابع : يمكن أن يقال [ كانت ] الدلالة قطيعة [ إلا أنه ] - عليه الصلاة والسلام - لما نسيها صار النسيان عذرا في ألا يصير الذنب كبيرا , أو يقال : كانت ظنية إلا أنه ترتب عليه من التشديدات ما لم يترتب على خطأ سائر المجتهدين ؛ لأن ذلك يجوز أن يختلف باختلاف الأشخاص , وكما أن الرسول - عليه الصلاة والسلام - مخصوص بأمور كثيرة في باب التشديدات بما لا يثبت في حق المة فكذا ها هنا . واعلم أنه يمكن أن يقال في المسألة وجه آخر , وهو أنه - تعالى - لما قال : { ولا تقربا ه ? ذه ? لشجرة } [ الأعراف : 19 ] فهم آدم - عليه الصلاة والسلام - من هذا النهي أنهما إنما نهيا حال اجتماعهما ؛ لأن قوله : ' ولا تقربا ' نهي لهما عن الجمع , ولا يلزم من حصول النهي حال الاجتماع حصوله حال الاجتماع حال الانفراد , فلعل الخطأ في الاجتهاد إنما وقع من هذا الوجه . | قوله : { فأخرجهما مما كانا فيه } | ' الفاء ' - هنا - فاء السببية . | وقال المهدوي : إذا جعل ' فأزلهما ' بمعنى زل عن المضكان كان قوله : { فأخرجهما مما كانا فيه } توكيدا , إذ قد يمكن أن يزولا عن مكان كانا فيه إلى مكان آخر , وزهذا الذي قال المهدوي أشبه شيء بالتأسيس لا التأكيد , لإفادته معنى جديدا . | قال ' ابن عطية ' : وهنا محذوف يدل عليه الظاهر تقديره : فأكلا من الشجرة , يعني بذلك أن المحذوف [ يقدر ] قبل قوله : ' فأزلهما ' . | و ' مما كانا ' متعلق ب ' اخرج ' , و ' ما ' يجوز أن تكون موصولة اسمية , وأن تكون نكرة موصوفة , أي : من المكان أو النعيم الذي كانا فيه , أو من مكان , أو نعيم كانا فيه , فالجملة من ' كان ' واسمها وخبرها لا مضحل لها على الأول ومحلها الجر على الثاني , و ' من ' لابتداء الغابة . |
فصل في قصة الإغواء
روي عن ابن عباس , وقتادة قال الله تعالى لآدم : ألم يك فيما أبحتك
Page 567