356

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

فرددنا قراءة الجماعة إلى قراءة ' حمزة ' , أو نرد قراءة ' حمزة ' إلى قراءة الجماعة بأن نقول : معنى أزالهما : أي صرفهما عن طاعة الله , فأوقعهما في الزلة ؛ لأن إغواءه وإيقاعه لهما في الزلة سبب للزوال , ويحتمل أن تفيد كل قراءة معنى مستقلا , فقراءة الجماعة تؤذن بإيقاعها في الزلة , فيكون ' زل ' بمعنى : استزل , وقراءة : حمزة ' تؤذن بتنحيتهما عن مكانهما , ولا بد من المجاز في كلتا القراءتين , لأن الزلل أصله من زلة القدم , فاستعمل هنا في زلة الرأي والتنحية لا يقدر عليها الشيطان , وإنما يقدر على الوسوسة التي هي سبب التنحية . | و ' عنها ' متعلق بالفعل قبله , ومعنى ' عن ' هنا السببية إن أعدنا الضمير على ' الشجرة ' أي : أوقعهما في الزلة بسبب الشجرة . | قال ' الزمخشري ' لفظة ' عن ' في هذه الآية كما في قوله : { وما فعلته عن أمري } [ الكهف : 82 ] . | ويجوز أن تكون على بابها من المجاوزة إن عاد الضمير على ' الجنة ' , وهو الأظهر , لتقدم ذكرها , وتجيء عليه قراءة ' حمزة ' واضحة , ولا تظهر قراءته كل الظهور على كون الضمير ل ' الشجرة ' . | قال ' ابن عطية ' فأما من قرأ ' أزالهما ' فإنه يعود على ' الجنة ' فقط . | وقيل : الضمير للطاعة , أو للحالة , أو للسماء , وإن لم يجر لهما ذكر لدلالة السياق عليهما . وهذا بعيد جدا . | فإن قيل : إن الله - تعالى - قد أضاف الإزلال إلى ' إبليس ' فلم عاتبهما على ذلك الفعل ؟ | والجواب : أن قوله : ' فأزلهما ' أنهما عند وسوسته أتيا بذلك الفعل , وأضيف ذلك إلى ' إبليس ' كما في قوله : { فلم يزدهم دعآئي ? إلا فرارا } [ نوح : 6 ] قال تعالى حاكيا عن إبليس : { وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ف ? ستجبتم لي } [ إبراهيم : 22 ] , هذا قول المعتزلة , والتحقيق في هذه الإضافة ما ذكرناه , وهو أن القادر على الفعل والترك مع التساوي يستحيل أن يكون موجدا لأحد هذين الأمرين إلا عند انضمام الداعي إليه , والداعي في حق العبد عبارة عن علم أو ظن , أو اعتقاد بكون الفعل مشتملا على مصلحة , فإذا حصل ذلك العلم أو الظن بسبب منبه نبه عليه كان الفعل مضافا إلى ذلك المنبه ؛ لأنه هو الفاعل لما لأجله صار الفاعل بالقوة فاعلا بالفعل , فهكذا المعنى انضاف - ها هنا - إلى الوسوسة . فإن قيل : كيف كانت الوسوسة ؟ | فالجواب : هي التي حكى الله عنها في قوله : { ما نهاكما ربكما عن ه ? ذه ? لشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ? لخالدين } [ الأعراف : 20 ] فلم يقبلا ذلك منه , فلما أيس عدل إلى اليمين على ما قال تعالى : { وقاسمهمآ إني لكما لمن ? لناصحين } [ الأعراف : 21 ] فلم يصدقاه . | والظاهر أنه بعد ذلك عدل إلى شيء آخر , وهو أنه شغلهما باستيفاء اللات المباحة حتى صارا مستغرقين فيها , فحصل بسبب استغراقهما فيها نسيان النهي , فعند ذلك حصل ما حصل , والله اعلم . | فصل في بيان كيف وسوس إبليس لآدم | اختلفوا في أنه كيف تمكن إبليس من وسوسة آدم عليه الصلاة والسلام مع أن إبليس كان خارج الجنة , وآدم عليه الصلاة والسلام داخل الجنة ؟ وذكروا فيه وجوها : | أحدها : ما روي عن وهب بن منبه والسدي عن ابن عباس وغيره : أن إبليس أراد دخول الجنة , فمنعته الخزنة , فأتى الحية بعد ما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد من الحيوانات , فابتلعته الحية وأدخلته الجنة خفية من الخزنة , فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس من فيها واشتغل بالوسوسة , فلا جرم لعنت الحية , وسقطت قوائمها , وصارت تمشي على بطنها , وجعل رزقها في التراب , وصارت عدوا بني آدم , وأمرنا بقتلها في الحل والحرم . | قال ابن الخطيب : وهذا وأمثاله يجب ألا يلتفت إليه ؛ لأن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية فلم يقدر على أن يجعل نفسه حية ثم يدخل الجنة ؟ ولأن الحية لو فعلت ذلك , فلم عوقبت مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة ؟ وأيضا فلما خرج من بطنها صارت في الجنة كانت الملائكة والخزنة يرونه . | وثانيها : أن ' إبليس ' دخل الجنة في صورة دابة , وهذا القول أقل فسادا من الأول . | وثالثها : قال بعض أهل الأصول : لعل آدم وحواء - عليهما السلام - كانا يخرجان إلى باب الجنة , وإبليس كان بقرب الماء يوسوس لهما . | ورابعها : قال الحسن : كان إبليس في الأرض , وأوصل الوسوسة إليهما في الجنة . | قال بعضهم : هذا بعيد ؛ لأن الوسوسة كلام خفي , والكلام الخفي لا يمكن إيصاله من الأرض إلى السماء . | واختلفوا في أن ' إبليس ' باشر خطابهما , أو أوصل الوسوسة إليهما على لسان بعض أتباعه . | حجة الأول : قوله تعالى : { وقاسمهمآ إني لكما لمن ? لناصحين } [ الأعراف : 21 ] { فدلاهما بغرور } [ الأعراف : 22 ] . وحجة الثاني : أن آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - كان يعرفانه , ويعرفان ما عنده من العداوة والحسد , فيستحيل في العادة أن يقبلا قوله , فلا بد وأن يكون المباشر للوسوسة بعض أتباع إبليس . وقد يجاب عن هذا بأن إبليس لما خالف أمر ربه ولعن لعله انتقل من تلك الصورة التي يعرف بها إلى صورة أخرى , ولعل إبليس تشكل لهما في صورة لا يعرفانها , فإن له قدرة التشكل , والله أعلم . |

فصل في بيان أن آدم عصى ربه ناسيا

اختلفوا في صدور ذلك الفعل عن آدم - عليه الصلاة والسلام - بعد النبوة

Page 563