339

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

الملائكة , وهو مروي عن ابن عباس , وابن زيد , والحسن , وقتادة - رضي الله عنهم - قالوا : ' إبليس أبو الجن كما أن آدم أبو البشر , ولم يكن ملكا فأشبه الحرف ' . | وقال شهر بن حوشب , وبعض الأصوليين : ' كان من الجن الذين كانوا في الأرض , وقاتلهم الملائكة فسبوه وتعبد مع الملائكة وخوطب ' . | وحكاه الطبري , وابن مسعود , وابن جريح , وابن المسيب , وقتادة وغيرهم , وهو اختبار الشيخ أبي الحسن , ورجحه الطبري , وهو ظاهر الآية أنه من الملائكة . | قال ابن عباس : ' وكان اسمه عزازيل , وكان من أشراف الملائكة , وكان من أولي الأجنحة الأربعة ثم إبليس بعد ' . وروى سليمان بن حرب عن عكرمة عن ابن عباس قال : كان إبليس من الملائكة , فلما عصى الله غضب عليه فلعنه , فصار شيطانا . | وحكى الماوردي عن قتادة : أنه كان من أفضل صنف من الملائكة يقال لهم الجنة . | وقال سعيد بن جبير : إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار , وإبليس منهم , وخلق معاشر الملائكة من نور . | حجة القول الأول , وهو أنه لم بكن من الملائكة وجوه : | أحدها : قوله تعالى : { إلا إبليس كان من ? لجن } [ الكهف : 50 ] وإذا كان من الجن وجب أن ألا يكون من الملائكة لقوله تعالى : { ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أه ? ؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون ? لجن } [ سبأ : 40 , 41 ] , وهذا صريح في الفرق بين الجن والملك . | فإن قيل : لا نسلم أنه كان من الجن , لأن قوله : { كان من ? لجن } [ الكهف : 50 ] يجوز أن يكون المراد كان من الجنة على ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه كان من الجن كان خازن الجنة . | سلمنا ذلك , لكن لم لا يجوز أن يكون قوله : ' من الجن ' أي : صار من الجن كقوله : { وكان من ? لكافرين } . | سلمنا ما ذكرتم , فلم قلتم : إن كونه من الجن ينافي كونه من الملائكة ؛ لأن الجن مأخوذ من الاجتنان , وهو الستر , ولهذا سمي الجنين جنينا لاجتنانه , ومنه الجنة لكونها سائرة , والجنة لكونها مستترة بالأغصان , ومنه الجنون لاستتار العقل به , والملائكة مستترون عن الأعين , فوجب جواز إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة , يؤيد هذا التأويل قوله تعالى في الآية الأخرى : { وجعلوا بينه وبين ? لجنة نسبا } [ الصافات : 158 ] , وذلك لأن قريشا قالت : الملائكة بنات الله , فهذه الآية تدل على أن الملائكة تسمى جنا . | والجواب : لا يجوز أن يكون المراد من قوله : ' كان من الجن ' أنه كان خازن الجنة ؛ لأن قوله : { إلا إبليس كان من ? لجن } [ الكهف : 50 ] يشعر بتعليل تركه السجود بكونه جنيا , ولا يمكن تعليل ترك السجود بكونه خازن الجنة , فبطل ذلك . | { وجعلوا بينه وبين ? لجنة نسبا } [ الصافات : 158 ] قلنا : يحتمل أن بعض الكفار أثبت ذلك النسب في الجن , كما أثبته في الملائكة , وأيضا أن الملك يسمى جنا بحسب أصل اللغة , لكن لفظ الجن بحسب العرف اختص بالغير , كما أن لفظ الدابة يتناول كل ما دب بحسب اللغة الأصلية , كلغة بحسب العرف اختص ببعض ما يدب , فيحتمل أن تكون هذه الآية على اللغة الأصلية والآية التي ذكرناها على العرف الحادث . | وثانيها : أن ' إبليس ' له ذرية لقوله تعالى : { أفتتخذونه وذريته أوليآء } [ الكهف : 50 ] والملائكة لا ذرية لها ؛ لأن الذرية إنما تحصل من الذكر والأنثى , والملائكة لا أنثى فيها لقوله : { وجعلوا ? لملائكة ? لذين هم عباد ? لرحم ? ن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم } [ الزخرف : 19 ] أنكر على من حكم عليهم بالأنوثة . | وثالثها : أن الملائكة معصومون , و ' إبليس ' لم يكن كذلك فوجب ألا يكون من الملائكة . | ورابعها : أن ' إبليس ' مخلوق من نار لقوله تعالى حكاية عن ' إبليس ' : { خلقتني من نار } [ الأعراف : 12 ] . | قال : { و ? لجآن خلقناه من قبل من نار ? لسموم } [ الحجر : 27 ] والملائكة مخلوقون من النور , لما روت عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' خلقت الملائكة من نور وخلق اجان من مارج من نار ' . حجة القول الثاني , وهو أن ' إبليس ' كان من الملائكة أمران : | الأول : أن الله - تعالى - استثناه من الملائكة , والاستثناء المنقطع مشهور في كلام العرب , قال الله تعالى : { وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني برآء مما تعبدون إلا ? لذي فطرني } [ الزخرف : 26 , 27 ] وقال : { لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما سلاما } [ الواقعة : 25 , 26 ] وقال : { لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما } [ مريم : 62 ] , وقال : { لا تأكلو ? ا أموالكم بينكم ب ? لباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض } [ النساء : 29 ] , وقال : { وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطئا ومن قتل مؤمنا خطئا } [ النساء : 92 ] وأيضا فلأنه كان جنيا واحدا بين اللوف من الملائكة , فغلبوا عليه في قوله : فسجدوا , ثم استثني هو منهم استثناء واحد منهم ؛ لأنا نقول : كل واحد من هذين الوجهين على خلاف الأصل , وذلك إنما يصار إليه عند الضرورة , والدلائل الذي ذكرتموها في نفي كونه من الملائكة ليس فيها إلا الاعتماد على العمومات , فلو جعلنا من الملائكة لزم تخصيص ما عولتم عليه من العمومات . | ولو قلنا : إنه ليس من الملائكة لزمنا جعل الاستثناء منقطعا , فكان قولنا أولى , وأيضا فالاستثناء إنما يتحقق من الشيء والصرف , ومعنى الصرف إنما يتحقق حيث لولا الصرف لدخل , والشيء لا يدخل في غير جنسه , فيمتنع تحقق معنى الاستثناء منه . | وأما قوله : إنه جني واحد من الملائكة لما كان قوله : { وإذ قلنا للملائكة ? سجدوا } متناولا , ولا استحال أن يكون تركه السجود إباء واستكبارا ومعصية , ولما استحق الذم والعقاب , ولما حصلت هذه الأمور , علمنا أن ذلك الخطاب يتناوله , ولن يتناوله ذلك الخطاب إلا إذا كان من الملائكة . لا يقال : إنه وإن لم يكن من الملائكة إلا أنه لما نشأ منهم , وطالت خلطته بهم والتصق بهم علا ولكن الله تعالى أمر بالسجود بلفظ آخر ما حكاه في القرآن بدليل قوله : { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } [ الأعراف : 12 ] لأنا نقول : أما الأول فجوابه : أن المخالطة لا توجب ما ذكرتموه ولهذا قيل في أصول الفقه : خطاب الذكور لا يتناول الإناث وبالعكس مع شدة المخالطة بين الصنفين , وأيضا فشدة المخالطة بين الملائكة , وبين ' إبليس ' لما لم يمنع اقتصار اللعن على إبليس , فكيف يمنع اقتصار ذلك التكليف على الملائكة , لونا كونه أمر بأمر آخر غير محكي في القرآن , فإن ترتيب الحكم على الوصف يشعر بالغلبة , فلما ذكر قوله : ' أبى واستكبر ' عقيب قوله : ' وإذ قلنا للملائكة : اسجدوا لآدم ' , أشعر هذا التعقيب بأن هذا الإباء إنما حصل بسبب مخالفة هذا الأمر , لا بسبب مخالطة أمر آخر , وطريق الجمع بين الدليلين ما ذكرنا عن ابن عباس أن ' إبليس ' كان من الملائكة , فلما عصى الله غضب عليه , فصار شيطانا . وقول سعيد بن جبير إن الجن سبط من الملائكة خلقوا من نار , وإبليس منهم وليس في خلقه من نار , ولا في تركيب الشهوة حيث غضب عليه ما يدفع أنه من الملائكة , وحكى الثعلبي عن ابن عباس : ' أن إبليس كان من حي من أحياء الملائكة يقال لهم : الجن خلقوا من نار السموم , وخلقت الملائكة من نور , وكان اسمه بالسريانية عزازيل , وبالعربية الحارث , وكان من خزان الجنة , وكان رئيس ملائكة السماء الدنيا , وكان من سلطانها , وسلطان الأرض , وكان من أشد الملائكة اجتهادا , وأكثرهم علما , وكان يسوس ما بين السماء والأرض , فرأى لنفسه بذلك شرفا وعظمة , فذلك الذي دعاه إلى الكفر , فعصى الله , فمسخه شيطانا رجيما ' . | قوله تعالى : ' أبى واستكبر ' . | الظاهر أن هاتين الجملتين استئنافيتان لمن قال : فما فعل ؟ | والوقف على قوله : ' إلا إبليس ' تام . | وقال أبو البقاء : ' في موضع نصب على الحال من ' إبليس ' تقديره : ترك السجود كارها له ومستكبرا عنه ' . | فالوقف عنده على ' واستكبر ' , وجوز في قوله : ' وكان من الكافرين ' أن يكون مستأنفا , وأن يكون حالا أيضا , و ' الإباء ' : الامتناع ؛ قال الشاعر : [ الوافر ] | 386 - وإما أن يقولوا قد أبينا | وشر مواطن الحسب الإباء

وهو من الأفعال المفيدة للنفي , ولذلك وقع بعده الاستثناء المفرغ قال تعالى : { ويأبى ? ? لله إلا أن يتم نوره } [ التوبة : 32 ] . | والمشهور ' أبي - يأبى ' بكسرها في الماضي , وفتحها في المضارعن وهذا قياس , فيحتمل أن يكون من قال : ' أبى - يأبى ' بالفتح فيهما استغنى بمضارع من قال ' أبي ' بالكسر ويكون من التداخل نحو : ' ركن - يركن ' وبابه . | واستكبر بمعنى : تكبر , وإنما قدم الإباء عليه , وإن كان متأخرا عنه في الترتيب ؛ لأنه من الأفعال الظاهرة ؛ بخلاف الاستكبار ؛ فإنه من أفعال القلوب . | قوله : ' وكان ' بل : هي هنا بمعنى ' صار ' ؛ كقوله : [ الطويل ] | 387 - بتيهاء قفر والمطي كأنها | قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها

أي : قد صارت . ورد هذا ابن فورك وقال : ' ترده الأصول , والأظهر أنها على بابها والمعنى : كان من القوم الكافرين الذين كانوا في الأرض قبل خلق آدم على ما روي , وكان في علم الله ' .

فصل في بيان بطلان قول أهل الجبر

قال القاضي : هذه الاية تدل على بطلان قول أهل الجبر من وجوه : | أحدها

Page 544