Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
القاضي أبي بكر الباقلاني [ وأبي عبد الله الحليمي ] . | وحجة المعتزلة أمور : | أحدها : قوله تعالى : { ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته } [ الأنبياء : 19 ] والمراد من هذه العندية القرب , والشرف , وهذا حاصل لهم لا لغيرهم . | ولقائل أن يقول : إنه - تعالى - أثبت هذه الصفة في الآخرة لآحاد المؤمنين في قوله : { في مقعد صدق عند مليك مقتدر } [ القمر : 55 ] . | وأما في الدنيا فقال عليه الصلاة والسلام يقول الله سبحانه : ' أنا مع المنكسرة قلوبهم لأجلي ' . وهذا أكثر إشعارا بالتعظيم ؛ لأن كون الله - تعالى - عند العبد أدخل في التعظيم من كون العبد عند الله . | وثانيها : قالوا : عبادات الملائكة أشق من عبادات البشر , فيكونون أكثر ثوابا من عبادات البشر , فإن الملائكة سكان السماوات , وهي جنات , وهم آمنون من المرض والفقر , ثم إنهم مع استكمال أسباب النعم لهم خاشعون وجلون كأنهم مسجونون لا يلتفتون إلى نعيم الجنات , بل يقبلون على الطاعة الشاقة , ولا يقدر أحد من بني آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة , ويؤيده قصة آدم - عليه الصلاة والسلام - فإنه أطلق له الأكل في جميع مواضع الجنة , ثم إنه منع من شجرة واحدة فلم يملك نفسه . | وثالثها : أن انتقال المكلف من نوع عبادة إلى نوع آخر كالانتقال من بستان إلى بستان , أما الإقامة على نوع واحد , فإنها تورث المشقة والملالة , والملائكة كل واحد منهم مواظب على عمل واحد لا يعدل عنه إلى غيره , فكانت عبادتهم أشق , فيكون أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام : ' أفضل الأعمال أحمزها ' أي : أشقها , وقوله لعائشة : ' إنما أجرك على قدر نصبك ' . ولقائل : أن يقول : في الوجه الأول لا نسلم أن عبادة الملائكة أشق . | أما قولهم : السماوات جنات . | قلنا : نسلم , ولم قلتم بأن العبادة في المواضع الطيبة أشق من العبادة في المواضع الرديئة ؟ أكثر ما في الباب أنه تهيأ لهم أسباب النعم , فامتناعه عنها مع تهيئتها له أشق , ولكنه معارض بما أن أسباب البلاء مجتمعة على البشر , ومع هذا يرضون بقضاء الله , ولا تغيرهم تلك المحن عن المواظبة على عبوديته , وهذا أعظم في العبودية . | وأما قولهم : المواظبة على نوع واحد من العبادة أشق . | قلنا : لما اعتادوا نوعا واحدا صاروا كالمجبورين الذين لا يقدرون على خلافه ؛ لأن العادة طبيعة خامسة , ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : ' أفضل الصوم صوم داود كان يصوم يوما ويفطر يوما ' . ورابعها : قالوا : عبادات الملائكة أدوم ؛ لأن أعمارهم أطول , فكانت أفضل لقوله عليه الصلاة والسلام : ' أفضل العباد من طل عمره , وحسن عمله ' . ولقائل أن يقول : إن نوحا ولقمان والخضر - عليهم الصلاة والسلام - كانوا أطول عمرا من محمد - عليه الصلاة والسلام - فوجب أن يكونوا أفضل منه , وذلك باطل بالاتفاق . | وخامسها : أنهم أسبق في كل العبادات فيكونون أفضل لقوله تعالى : { و ? لسابقون ? لسابقون أول ? ئك ? لمقربون } [ الواقعة : 10 , 11 ] ولقوله عليه الصلاة والسلام : ' من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ' . ولقائل أن يقول : فهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه الصلاة والسلام - أفضل من محمد عليه الصلاة والسلام ؛ لأنه أول من سن عبادة الله من البشر وأسبق , وذلك باطل . | وسادسها : أن الملائكة رسل إلى الأنبياء , والرسول أفضل من الأمة . | فإن قيل : إن السلطان إذا أرسل واحدا إلى جمع عظيم ليكون حاكما فيهم , فإنه يكون أشرف منهم , أما إذا أرسل واحدا إلى واحد , فقد لا يكون الرسول أشرف , كما إذا أرسل السلطان مملوكه إلى وزيره في مهمة [ فإنه لا يلزم أن يكون ذلك العبد أشرف من الوزير ] . قلنا : لكن جبريل - عليه السلام - مبعوث إلى كافة الأنبياء والرسل من البشر , فعلى هذا يكون جبريل أفضل منهم . | وأيضا أن الملك قد يكون رسولا إلى ملك آخر أو إلى أحد من الأنبياء , وعلى التقديرين الملك رسول , وأمته رسل , والرسول الذي كل أمته رسل أفضل من الرسول الذي ليس كذلك , ولأن إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - كان رسولا إلى لوط - عليه السلام - فكان أفضل منه , وموسى كان رسولا إلى الأنبياء الذين كانوا في عصره , فكان أفضل منهم . | ولقائل أن يقول : الملك إذا أرسل رسولا إلى بعض النواحي , فقد يكون ذلك الرسول حاكما ومتوليا أمورهم , وقد يكون ليخبرهم عن بعض الأمور مع أنه لا يجعله حاكما عليهم , فالقسم الأول هم الأنبياء المبعوثون إلى أممهم , فلا جرم كانوا أفضل من الأنبياء . وسابعها : قوله : { لن يستنكف ? لمسيح أن يكون عبدا لله ولا ? لملا ? ئكة ? لمقربون } [ النساء : 172 ] فقوله : ' ولا الملائكة ' خرج مخرج التأكيد للأول , وهذا التأكيد إنما يكون بذكر الأفضل يقال : هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة , ولا المائة , ولا يقال : لا يقدر على حملها العشرة ولا الواحد , ويقال : هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا الملك , ولا يقال : ولا يستنكف عن خدمته الوزير ولا البواب . | ولقائل أن يقول : هذه الآية إن دلت , فإنما تدل على فضل الملائكة المقربين على المسيح , لكن لا يلزم منه فضل الملائكة المقربين على من هو أفضل من المسيح , وهو محمد - عليه أفضل الصلاة والسلام - وموسى وإبراهيم - عليهما الصلاة والسلام - بإجماع المسلمين . | ثم نقول قوله : ' ولا الملائكة ' ليس فيه إلا ' واو ' العطف , و ' الواو ' للجمع المطلق , فيدل على أن المسيح لا يستنكف , والملائكة لا يستنكفون , فأما أن يدل على أن الملائكة أفضل من المسيح فلا . | قال تعالى : { لا تحلوا شعآئر ? لله ولا ? لشهر ? لحرام ولا ? لهدي ولا ? لقلا ? ئد } [ المائدة : 2 ] أو نقول : سلمنا أن عيسى دون مجموع الملائكة في الفضل , فإن قلتم : دون كل واحد من الملائكة في الفضل ؟ فإن قيل : وصف الملائكة بكونهم مقربين يوجب ألا يكون المسيح كذلك . | قلنا : تخصيص الشيء بالذكر لا يدل على نفيه عما عداه . | وثامنها : قوله : { ما نهاكما ربكما عن ه ? ذه ? لشجرة إلا أن تكونا ملكين } [ الأعراف : 20 ] ولو لم يكن متقررا عند آدم وحواء - عليهما الصلاة والسلام - أن الملك أفضل من البشر لم يقدر ' إبليس ' على غرورهما بذلك . | ولقائل أن يقول : هذا قول ' إبليس ' فلا يكون حجة , ولا يقال : إن آدم اعتقد صحة ذلك , واعتقاد آدم حجة , لأنا نقول : لعل آدم - عليه الصلاة والسلام - ما كان نبيا في ذلك الوقت , فلم يلزم من فضل الملك عليه في ذلك الوقت فضل الملك عليه حال ما صار نبيا , ولأن الزلة جائزة على الأنبياء . | وأيضا فهب أن الآية تدل على أن الملك أفضل من البشر في بعض الأمور المرغوبة . | فلم قلتم : إنها تدل على فضل الملك على البشر في باب القدرة والقوة , والحسن والجمال , والصفاء والنقاء عن الكدورات الحاصلة بسبب التركيبات ؟ فإن الملائكة خلقوا من الأنوار وآدم خلق من التراب , فلعل آدم وإن كان أفضل منهم في كثرة الثواب إلا أنه رغب في أن يكون مساويا لهم في تلك الأمور المعدودة . | وتاسعها : قوله تعالى : { قل لا أقول لكم عندي خزآئن ? لله ولا ? أعلم ? لغيب ولا ? أقول لكم إني ملك } [ الأنعام : 50 ] . | ولقائل أن يقول : يحتمل أن يكون المراد : ولا أقول لكم إني ملك في كثرة العلوم , وشدة القوة , ويؤيده أن الكفار طالبوه بأمور عظيمة نحو : صعود السماء , ونقل الجبال , وإحضار الأموال العظيمة , وأيضا قوله : ' قل : لا أقول لكم عندي خزائن الله ' يدل على اعترافه بأنه لا يعلم كل المعلومات , فلذلك لا أدعي قدرة مثل قدرة الملك , ولا علما مثل علمه . وعاشرها : قوله تعالى : { ما ه ? ذا بشرا إن ه ? ذآ إلا ملك كريم } [ يوسف : 31 ] . | فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد التشبيه في الجمال ؟ | قلنا : الأولى أن يكون هذا التشبيه في السيرة لا في الصورة , لأن الملك إنما تكون سيرته المرضية لا بمجرد الصورة . | ولقائل : أن يقول : قول المرأة : { فذ ? لكن ? لذي لمتنني فيه } [ يوسف : 32 ] كالصريح في أن مراد النساء بقولهن : { إن ه ? ذآ إلا ملك كريم } [ يوسف : 31 ] تعظيم لحسن يوسف وجماله لا في السيرة ؛ لأن ظهور عذرها في شدة عشقها , إنما يحصل بسبب فرط يوسف في الجمال لا بسبب فرط زهده وورعه , فإن ذلك لا يناسب شدة عشقها . | سلمنا أن المراد تشبيه يوسف - عليه الصلاة والسلام - بالملك في حسن السيرة , فلم قلتم : يجب أن يكون أقل ثوابا من الملائكة ؟ | الحادي عشر : قوله تعالى : { وفضلناهم على ? كثير ممن خلقنا تفضيلا } [ الإسراء : 70 ] , ومخلوقات الله - تعالى - إما المكلفون , أو من عداهم , ولا شك أن المكلفين أفضل من غيره , فالمكلفون أربعة أنواع : الملائكة , والإنس , والجن , والشياطين , ولا شك أن الإنس أفضل من الجن والشياطين , فلو كان البشر أفضل من الملائكة لزم أن يكون البشر أفضل من كل المخلوقات , وحينئذ لا يبقى لقوله : ' وفضلناهم على جميع من خلقنا ' , ولما لم يقل ذلك علمنا أن الملك أفضل من البشر . | ولقائل أن يقول : هذا تمسك بدليل الخطاب ؛ لأن التصريح بأنهم أفضل من كثير من المخلوقات لا يدل على أنه ليس أفضل من الباقي ألا بواسطة دليل الخطاب . | وأيضا فهب أن جنس الملائكة أفضل من [ جنس بني آدم , ولكن لا يلزم من كون أحد المجموعين أفضل من ] المجموع الثاني [ أن يكون كل واحد من أفراد المجموع الأول أفضل من أفراد المجموع الثاني ] , فإنا إذا قدرنا عشرة من العبيد كل واحد منهم يساوي مائة دينار , وعشرة أخرى حصل فيهم عبد يساوي مائتي دينار والتسعة الباقية كل واحد منهم دينارا , فالمجموع الأول أفضل من آحاد المجموع الأول فكذا ها هنا . | الثاني عشر : قوله تعالى : { وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين } [ الانفطار : 10 , 11 ] فيدخل فيه الأنبياء وغيرهم , وهذا يقتضي كونهم أفضل من البشر لوجهين : | الأول : أنه - تعالى - جعلهم حفظة , والحافظ للمكلف عن المعصية يكون أبعد عن الخطأ من المحفوظ , وذلك يقتضي أن يكون قولهم أولى بالقبول من قول البشر , ولو كان البشر أعظم حالا منهم لكان الأمر بالعكس . ولقائل أن يقول : أما كون الحافظ أكرم من المحفوظ , فهذا بعيد , فإن الملك قد يوكل بعض عبيده على ولده . | وأما الثاني فقد يكون الشاهد أدون حالا من المشهود عليه . | الثالث عشر : قوله تعالى : { يوم يقوم ? لروح و ? لملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له ? لرحم ? ن } [ النبأ : 38 ] . | والمقصود من ذكر أحوالهم المبالغة في شرح عظمة الله وجلاله , ولو كان في الخلق طائفة أخرى قيامهم وتضرعهم أقوى في الإنباء عن عظمة الله وجلاله وكبريائه من قيامهم لكان ذكرهم أولى . | ولقائل أن يقول : ذلك يدل على أنهم أزيد حالا من البشر في بعض الأمور , فلم لا يجوز أن تكون تلك الحالة هي قوتهم وشدتهم وبطشهم ؟ وهذا كما يقال : إن السلطان لما جلس وقف حول سريره ملوك أطراف العالم خاضعين فإن عظمة السلطان إنما تشرح بذلك , ثم إن هذا لا يدل على أنهم أكرم عند السلطان من ولده , فكذا ها هنا . | الرابع عشر : قوله : { و ? لمؤمنون كل آمن ب ? لله وملا ? ئكته وكتبه ورسله } [ البقرة : 285 ] فبين تعالى أنه لا بد في صحة الإيمان من الإيمان بهذه الأشياء , فبدأ بنفسه , وثنى بالملائكة , وثلث بالكتب , وربع بالرسل , وكذا في قوله : { شهد ? لله أنه لا إل ? ه إلا هو و ? لملائكة وأولوا ? لعلم } [ آل عمران : 18 ] , وقال : { إن ? لله وملائكته يصلون على ? لنبي } [ الأحزاب : 56 ] , والتقديم في الذكر يدل على التقديم في الدرجة ؛ لأن تقديم الأدون على الأشرف في الذكر قبيح عرفا , فوجب أن يكون قبيحا شرعا . | ولقائل أن يقول : هذه الحجة ضعيفة ؛ لأن الاعتماد إن كان على ' الواو ' ف ' الواو ' لا تفيد الترتيب , وإن كان على التقديم في الذكر ينتقض بتقديم سورة ' تبت ' على سورة { قل هو ? لله أحد } [ الإخلاص : 1 ] . | الخامس عشر : قوله تعالى : ' إن الله وملائكته يصلون على النبي ' , فجعل صلوات الملائكة كالتشريف للنبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك يدل على كون الملائكة أشرف من النبي . ولقائل أن يقول : هذا ينتقض بقوله : ' يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ' فأمر المؤمنين بالصلاة على النبي , ولم يلزم كون المؤمنين أفضل من النبي , فكذا في الملائكة . | واحتج من قال بتفضيل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - على الملائكة بأمور : | أحدها : أن الله - تعالى - أمر الملائكة بالسجود لآدم , وثبت أن آدم لم يكن كالقبلة , فوجب أن يكون آدم أفضل منهم ؛ لأن السجود نهاية التواضع , وتكليف الأشرف بنهاية التواضع للأدون مستقبح في العقول . | وثانيها : أن آدم - عليه الصلاة والسلام - خليفة له , والمراد منه خلافة الولاية لقوله : { ي ? داوود إنا جعلناك خليفة في ? لأرض ف ? حكم بين ? لناس ب ? لحق } [ ص : 26 ] . | ومعلوم أن أعلى الناس منصبا عند الملك من كان قائما مقامه في الولاية والتصرف , فهذا يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أشرف الخلائق . فالدنيا خلقت متعة لبقائه , والآخرة مملكة لجزائه , وصارت الشياطين ملعونين بسبب التكبر عليه , والجن رعيته , والملائكة في طاعته وسجوده , والتواضع له , ثم صار بعضهم حافظين له ولذريته , وبعضهم منزلين لرزقه وبعضهم مستغفرين لزلاته . | وثالثها : أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان أعلم , والأعلم أفضل , أما أنه أعلم فلأنه - تعالى - لما طلب منهم علم الأسماء { قالوا سبحانك لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [ البقرة : 32 ] فعند ذلك قال الله : { يآءادم أنبئهم بأسمآئهم } [ البقرة : 33 ] وذلك يدل على أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما بما لم يكونوا عالمين به , والعالم أفضل لقوله تعالى : { قل هل يستوي ? لذين يعلمون و ? لذين لا يعلمون } [ الزمر : 9 ] . | ورابعها : قوله تعالى : { إن ? لله ? صطفى ? آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ? لعالمين } [ آل عمران : 33 ] والعالم عبارة عن كل ما سوى الله - تعالى - فمعناه أن الله - تعالى - اصطفاهم على المخلوقات . | فإن قيل : يشكل بقوله تعالى : { يابني إسرائيل ? ذكروا نعمتي ? لتي ? أنعمت عليكم وأني فضلتكم على ? لعالمين } [ البقرة : 47 ] . | قلنا : الإشكال مدفوع ؛ لأن قوله : ' وأني فضلتكم على العالمين ' خطاب مع الأنبياء الذين كانوا أسلاف اليهود , وحينما كانوا موجودين لم يكن محمد - عليه الصلاة والسلام - موجودا في ذلك الزمان , والمعدوم لا يكون من العالمين ؛ لأن اشتقاق العالم من العلم فكل ما كان علما على الله ودليلا عليه فهو عالم , وإذا كان كذلك لم يلزم اصطفاء الله إياهم على العالمين في ذلك الوقت أن يكونوا أفضل من محمد - عليه الصلاة والسلام - والملائكة كانوا موجودين , فيلزم أن يكون الله - تعالى - قد اصطفى هؤلاء على الملائكة , وأيضا فهب أن تلك دخلها التخصيص لقيام الدليل , وها هنا فلا دليل يوجب ترك الظاهر , فوجب إجراؤه على ظاهره في العموم . | وخامسها : قوله تعالى : { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } [ الأنبياء : 107 ] والملائكة من جملة العالمين , فكان محمد - عليه الصلاة والسلام - رحمة لهم , فوجب أن يكون أفضل منهم . | وسادسها : أن الآدمي له شهوة تدعوهم إلى المعصية , وهي شهوة الرئاسة . | قلنا : هب أن الأمر كذلك , لكن البشر لهم أنواع كثيرة من الشهوات مثل شهوة البطن والفرج , وشهوة الرئاسة والملك ليس إلا شهوة واحدة , وهي شهوة الرئاسة , والمبتلى بأنواع كثيرة من الشهوات تكون الطاعة عليه أشق من المبتلى بشهوة واحدة . وأيضا الملائكة لا يعملون إلا بالنص لقوله : { لا علم لنآ إلا ما علمتنآ } [ البقرة : 32 ] وقوله : { لا يسبقونه ب ? لقول وهم بأمره يعملون } [ الأنبياء : 27 ] والبشر لهم قوة الاستنباط والقياس , والعمل بالاستنباط أشق من العمل النص , وأيضا فإن الشبهات للبشر أكثر منها للملائكة ؛ لأن من جملة الشبهات القوية كون الأفلاك والأنجم السيارة أسبابا لحوادث هذا العالم , فالبشر احتاجوا إلى دفع هذه الشبهة , والملائكة لا يحتاجون إليها , لأنهم ساكنون في عالم السماوات , فيشاهدون كيفية افتقارها إلى المدبر الصانع , وأيضا فإن الشيطان لا سبيل له إلى وسوسة الملائكة , وهو مسلط على البشر في الوسوسة , وذلك تفاوت عظيم . إذا ثبت أن طاعتهم أشق , فوجب أن يكونوا أكثر ثوابا للنص والقياس . | فأما النص قوله عليه الصلاة والسلام : ' أفضل العبادات أحمزها ' أي : أشقها , وأما القياس فإن الشيخ الذي ليس له ميل إلى النساء إذا امتنع عن الزنا ليست فضيلته كفضيلة من يمتنع عنه مع النيل الشديد , والشوق العظيم . | وسابعها : أن الله - تعالى - خلق للملائكة عقولا بلا شهوة , وخلق للبهائم شهوة بلا عقل , وخلق الآدمي وجمع فيه الأمرين , فصار الأدمي بسبب العقل فوق البهيمة بدرجة , فوجب أن يصير بسبب الشهوة دون الملائكة , ثم وجدنا الآدمي هواه عقله , فإنه بصير دون البهيمة على ما قال : ' أولئك كالأنعام بل هم أضل ' فيجب أن يقال : إذا غلب عقله هواه أن يكون فوق الملائكة اعتبارا لأحد الطرفين بالآخر . | وثامنها : أن الملائكة حفظة , وبنو آدم محفوظون , والمحفوظ أشرف من الحافظ , أجاب القائلون بتفضيل الملك عن الأول , فقالوا : قد سبق بيان أن من الناس من قال : المراد من السجود التواضع لا وضع الجبهة على الأرض , وإن سلم أنه وضع الجبهة لكنه قال : السجود لله وآدم قبله , فزال الإشكال , وإن سلم أن السجود كان لآدم , فلم قلتم : إن ذلك لا يجوز من الأشرف ؟ وذلك لأن الحكمة قد تقتضي إظهار نهاية الانقياد , والطاعة , فإن للسلطان أن يجلس عبدا من عبيده , ويأمر الأكابر بخدمتهن ويكون غرضه إظهار كونهم مطيعين منقادين له في كليات الأمور , وأيضا فإن الله - تعالى - يفعل ما يشاء , ويحكم ما يريد , فإن أفعاله غير معللة , ولذلك قلنا : إنه لا اعتراض عليه في خلق الكفر في الإنسان , ثم يعذبه عليه أبد الآباد , وإذا كان كذلك , فكيف يعترض عليه في ان أمر الأعلى بالسجود لمن هو دونه . | وأما الحجة الثانية فجوابها أن كون آدم خليفة في الأرض وهذا يقتضي أن يكون آدم - عليه السلام - كان أشرف من كل من في الأرض ولا يدل على كونه أشرف من ملائكة السماء . | فإن قيل : فلم لم يجعل واحدا من ملائكة السماء خليفة له في الأرض ؟ | قلت : لوجوه : منها أن البشر لا يطيقون رؤية الملائكة , ومنها أن الجنس إلى الجنس أميل . | وأما الحجة الثالثة : فلا نسلم أن آدم كان أعلم منهم , وأكثر ما في الباب أن آدم - عليه الصلاة والسلام - كان عالما بتلك اللغات , وهم ما علموها , لكنهم لعلهم كانوا عالمين بسائر الأشياء , مع أن آدم - عليه السلام - ما كان عالما بها ويحقق هذا أن محمدا - عليه أفضل الصلاة والسلام - أفضل من آدم - عليه السلام - مع أن محمدا ما كان عالما بهذه اللغات بأسرها , وأيضا فإن ' إبليس ' كان عالما بأن قرب الشجرة مما يوجب خروج آدم من الجنة , وأن آدم - عليه السلام - ليس كذلك , والهدهد قال لسليمان صلوات الله وسلامه عليه : { أحطت بما لم تحط به } [ النمل : 22 ] ولم يكن أفضل من سليمان , سلمنا أنه كان أعلم منهم , ولكن لم لم يجز أن يقال : إن طاعنهم أكثر إخلاصا من طاعة آدم عليه الصلاة والسلام ؟ . | وأما الحجة الرابعة : فهي قوية . | وأما الخامسة : فلا يلزم من كون محمد - عليه الصلاة والسلام - رحمة لهم أن يكون أفضل منهم كما في قوله تعالى : { ف ? نظر إلى ? آثار رحمة ? لله كيف يحيي ? لأرض بعد موتهآ } [ الروم : 50 ] ولا يمتنع أن يكون - عليه الصلاة والسلام - رحمة لهم من وجه , وهم يكونون رحمة له من وجه آخر . | وأما الحجة السادسة : وهي أن عبادة البشر أشق فهذا ينتقض بما أنا نرى الواحد من الصوفية يتحمل في طريق المجاهدة من المشاق والمتاعب ما يقطع بأنه - عليه الصلاة والسلام - لم يتحمل مثلها مع أنا نعلم أن محمدا عليه الصلاة والسلام أفضل من الكل . | أما الحجة السابعة : فهي جمع بين الطرفين من غير جامع . | فإن قيل : فإذا لم يكن افضل منهم , فما الحكمة بالأمر بالسجود له ؟ | قيل له : إن الملائكة لما استعظموا تسبيحهم , وتقديسهم أمرهم بالسجود لغيره ليريه استغناءه عنهم , وعن عبادتهم . | وقال بعضهم : عيروا آدم واستصغروه ولم يعرفوا خصائص الصنع به , فأمروا بالسجود له تكريما , ويحتمل أن يكون إنما أمرهم بالسجود له معاقبة لهم على قولهم : { أتجعل فيها من يفسد فيها } [ البقرة : 30 ] . | فإن قيل : فقد استدل ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - على فضل البشر بأن الله - تعالى - أقسم بحياة محمد عليه الصلاة والسلام فقال : { لعمرك } [ الحجر : 72 ] وأمنه من العذاب لقوله : { ليغفر لك ? لله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } [ الفتح : 2 ] , وقال للملائكة : { ومن يقل منهم إني ? إل ? ه من دونه فذ ? لك نجزيه جهنم } [ الأنبياء : 29 ] . | قيل له : إنما لم يقسم بحياة الملائكة كما لم يقسم بحياة نفسه سبحانه فلم يقل : ' لعمري ' وأقسم بالسماء والأرض , ولم يدل على أنها أرفع قدرا من العرش , وأقسم ب ' التين والزيتون ' . | وأما قوله سبحانه : ' ومن يقل منهم إني إله من دونه ' فهو نظير قوله لنبيه عليه الصلاة والسلام : { لئن أشركت } [ الزمر : 65 ] وهذا آخر الكلام في هذه المسألة . | قوله : ' إلا إبليس ' ' إلا ' حرف استثناء , و ' إبليس ' نصب على الاستثناء , وهل نصبه ب ' إلا ' وحدها أو بالفعل وحده أو به بوساطة ' إلا ' أو بفعل محذوف أو ب ' أن ' أقوال ؟ | وهل هو استثناء متصل أو منقطع ؟ خلاف مشهور . | والأصح أنه متصل - وأما قوله تعالى : { إلا إبليس كان من ? لجن } [ الكهف : 50 ] , فلا يرد ؛ لأن الملائكة قد يسمونه جنا لاجتنابهم , قال الشاعر في سليمان : [ الطويل ] 384 - وسخر من جن الملائك تسعة | قياما لديه يعملون بلا أجر
Page 539