312

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

فصل في ماهية الملائكة

اختلفوا في ماهية الملائكة , وحقيقتهم , والضابط فيه أن يقال : إن

الملائكة ذوات قائمة بنفسها , وهي إما متحيزة , أو ليست بمتحيزة , فإن كانت متحيزة فهاهنا أقوال : | أحدها : أنها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السموات , وهذا قول أكثر المسلمين . | الثاني : قول طوائف من عبدة الأوثان : أن الملائكة هي هذه الكواكب الموصوفة بالإسعاد , والإنحاسن فالمسعدات منها ملائكة الرحمة , والمنحسات منها ملائكة العذاب . | الثالث : قول معظم المجوس , والثنوية : وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أزليين , وهما النور والظلمة , وهما في الحقيقة جوهران شفافان مختاران قادران , متضادا النفس والصورة , مختلفا الفعل والتدبير , فجوهر النور فاضل خير , نفي طيب الريح , كريم النفس يسر ولا يضر , وينفع ولا يمنع , ويحيا ولا يبلى , وجوهر الظلمة على ضد ذلك . | ثم إن جوهر النور لم يزل يولد الأولياء , وهم الملائكة لا على سبيل التناكح , بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم , والضوء من المضيء , وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء , وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح . | القول الثاني : وهو أنها ذوات قائمة بأنفسها , وليست بمتحيزة , ولا بأجسام . فهاهنا قولان : | الأول : قول طوائف من النصارى , وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها على نعت الصفاء والخيرية , وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة , وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين . | والثاني : قول الفلاسفة وهي أنها جواهر قائمة بأنفسها وليست بمتحيزة ألبتة , وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية , وأنها أكمل قوة منها , وأكثر علما منها , وأنها للنفوس البشرية جارية جرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء , ثم إن هذه الجواهر على قسمين : منها ما هي بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا , ومنها ما هي لا هي على شيء من تدبير الأفلاك , بل هي مستغرقة في معرفة الله , ومحبته ومشتغلة بطاعته , وهذا القسم هم الملائكة المقربون , ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات , كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة , فهذان القسمان قد اتفقت الفلاسفة على إثباتهما , ومنهم من أثبت انواعا أخر من الملائكة , وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي , ثم إن المدبرات لهذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة , وإن كانت شريرة فهم الشياطين . |

Page 497