Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
قال ابن الخطيب : وقال أصحابنا : الخلد هو الثبات الطويل , سواء دام أو لم يدم ؛ واستدلوا بقوله تعالى : { خالدين فيهآ أبدا } [ التوبة : 100 ] ولو كان التأبيد داخلا في مفهوم الخلد , لكان ذلك تكررا , واستدلوا أيضا بالعرف ؛ يقال : حبس فلان فلانا حبسا مخلدا , ويكتب في الأوقاف : وقف فلان وقفا مخلدا . | وقال الآخرون : ' العقل يدل على دوامه ؛ لأنه لو لم يجب الدوام , لجوزوا انقطاعه , فكان خوف الانقطاع ينغص عليهم تلك النعمة , لأن النعمة كلما كانت أعظم كان خوفها انقطاعها أعظم وقعا في القلب , وهذا يقتضي ألا ينفك أهل الثواب [ ألبتة ] من الغم والحسرة , وقد يجاب عنه بأنهم عرفوا ذلك بقرينة قوله : ' أبدا ' . { س 2 ش 26 / ش 27 إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين * الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك هم الخاسرون } | اعلم أنه - تعالى - لما بين كون القرآن معجزا , أورد الكفار هنا شبهة قدحا في ذلك , وهي أنه جاء في القرآن ذكر النحل , والعنكبوت , والنمل , وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء , فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته , فضلا عن كونه معجزا , وأجاب الله - تعالى - عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في فصاحة , إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة , فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها . | روي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه - أنه لما قال : { ي ? أيها ? لناس ضرب مثل ف ? ستمعوا له } [ الحج : 73 ] فطعن في أصنامهم , ثم شبه عبادتها ببيت العنكبوت . | قال اليهود : أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما ؟ ! فنزلت هذه الآية . | وقيل : إن المنافقين طعنوا في ضرب الأمثال بالنار , والظلمات , والرعد , والبرق في قوله : { مثلهم كمثل ? لذي ? ستوقد نارا } [ البقرة : 17 ] وقوله : { أو كصيب من ? لسمآء } [ البقرة : 19 ] قالوا : الله أجل وأعلى من أن يضرب الأمثال , فأنزل الله هذه الآية , وهذه رواية أبي صالح عن ابن عباس . | وروى عطاء عن ابن عباس أيضا أن هذا الطعن كان من المشركين . | فقال القفال رحمه الله : الكل محتمل هاهنا . أما اليهود , فلأنه قيل في آخر الآية : { وما يضل به إلا ? لفاسقين ? لذين ينقضون عهد ? لله من بعد ميثاقه } وهذا صفة اليهود ؛ لأن الخطاب بالوفاء بالعهد إنما هو لبني إسرائيل , وأما الكفار والمنافقون فقد ذكروا في سورة ' المدثر ' : { وليقول ? لذين في قلوبهم مرض و ? لكافرون ماذآ أراد ? لله به ? ذا مثلا } [ المدثر : 31 ] , فالذين في قلوبهم مرض هم الكافرون المنافقون , والذين كفروا يحتمل المشركين , لأن السورة مكية , فقد جمع الفريقان ها هنا . | إذا ثبت هذا , فنقول : احتمال الكل هاهنا قائم ؛ لأن الكافرين والمنافقين واليهود كانوا متوافقين في إيذاء الرسول , وقد مضى من أول السورة إلى هذا الموضع ذكر المنافقين , واليهود , والمشركين , وكلهم من الذين كفروا . | ثم قال القفال : ' وقد يجوز أن ينزل ذلك ابتداء من غير سبب ؛ لأن معناه مفيد في نفسه ' . |
فصل في معنى الحياء واشتقاقه
الحياء : تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به ويذم ,
واشتقاقه من الحياة , ومعناه على ما قال الزمخشري : نقصت حياته , واعتلت مجازا , كما يقال : نسي وخشي , وشظي القوس : إذا اعتلت هذه الأعضاء , جعل الحيي لما يعتريه من الانكسار , والتغير منتكس القوة منتقص الحياة كما قالوا : فلان هلك من كذا حياء , ومات حياء , وذاب حياء , يعني بقوله : ' نسي وخشي وشظي ' أي : أصيب نساه , وهو ' عرق ' وحشاه , وهو ما احتوى عليه البطن , وشظاه وهو عظم في الورك , واستعماله هنا في حق الله - تعالى - مجاز عن الترك . وقيل : مجاز عن الخشية ؛ لأنها أيضا من ثمراته , ورجحه الطبري , وجعله الزمخشري من باب المقابلة , يعني أن الكفار لما قالوا : أما يستحي رب محمد أن يضرب المثل بالمحقرات , ' قوبل ' قولهم ذلك بقوله : { إن ? لله لا يستحى أن يضرب مثلا } [ ونظيره قول ] أبي تمام : [ الكامل ] | 322 - من مبلغ أفناء يعرب كلها | أني بنيت الجار قبل لمنزل
Page 460