151

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

وقيل : يجوز أن يكون ' فعلا ' بمعنى ' مفعول ' نحو : ' ذبح ' , و ' رعي ' بمعنى : ' مذبوح ' , و ' مرعي ' . | وقيل : ' الرزق ' - بالفتح - مصدر , وبالكسر اسم , وهو في لغة أزد شنوءة : الشكر , ومنه : { وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون } [ الواقعة : 82 ] . | وقال بعضهم : ويدخل فيه كل ما ينتفع به حتى الولد والعبد . | وقيل : هو نصيب الرجل , وما هو خاص له دون غيره . | ثم قال بعضهم الرزق كل شيء يؤكل أو يستعمل , وهو باطل ؛ لأن الله - تعالى - أمرنا بأن ننفق مما رزقنا فقال : { وأنفقوا من ما } [ المنافقون : 10 ] , فلو كان الرزق هو الذي يؤكل لما أمكن إنفاقه . | وقال آخرون : الرزق هو ما يملك وهو باطل أيضا ؛ لأن الإنسان قد يقول : اللهم ارزقني ولدا صالحا , أو زوجة صالحة , وهو لا يملك الولد ولا الزوجة , ويقول : اللهم أرزقني عقلا أعيش به , والعقل لي بمملوك , وأيضا البهيمة يحصل له رزق ولا يكون لها ملك . وأما في عرف الشرع فقد اختلفوا فيه , فقال أبو الحسن البصري : الرزق تمكين الحيوان من الانتفاع بالشيء , والحظر على غيره أن يمنعه من الانتفاع به . | فإذا قلنا : قد رزقنا الله الأموال , فمعنى ذلك أنه مكننا بها من الانتفاع بها , وإذا سألنا - تعالى - أن يرزقنا مالا فإنا لا نقصد بذلك أن يجعلنا بالمال أخص . | واعلم أن المعتزلة لما فسروا الرزق بذلك لا جرم قالوا : الحرام لا يكون رزقا . وقال أصحابنا : الحرام قد يكون رزقا . | قال ابن الخطيب : حجة الأصحاب من وجهين : | الأول : أن الرزق في أصل اللغة هو الحظ والنصيب على ما بيناه , فمن انتفع بالحرام , فذلك الحرام صار حظا ونصيبا , فوجب أن يكون رزقا له . | الثاني : أنه تعالى قال : { وما من دآبة في ? لأرض إلا على ? لله رزقها } [ هود : 6 ] , وقد يعيش الرجل طول عمره لا يأكل إلا من السرقة , فوجب أن يقال : إنه طول عمره لم يأكل من رزق شيئا . | أما المعتزلة : فقد احتجوا بالكتاب , والسنة , والمعنى : | أما الكتاب فوجوه : | أحدها : قوله تعالى : { ومما رزقناهم ينفقون } [ البقرة : 3 ] مدحهم على الإنفاق مما رزقهم الله تعالى فلو كان الحرام رزقا لوجب أن يستحقوا المدح إذا أنفقوا من الحرام , وذلك باطل بالاتفاق . | ثانيا : لو كان الحرام رزقا لجاز أن ينفق الغاصب منه , لقوله تعالى : { من ما رزقناكم } [ المنافقون : 10 ] , وأجمع المسلمون على أنه لا يجوز للغاصب أن ينفق [ مما أخذه ] , بل يجب رده , فدل على أن الحرام لا يكون رزقا . ثالثها : قوله تعالى : { قل أرأيتم مآ أنزل ? لله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا قل ءآلله أذن لكم } [ يونس : 59 ] فبين أن من حرم رزق الله , فهو مفتر على الله , فثبت أن الحرام لا يكون رزقا . | وأما السنة فما رواه أبو الحسين في كتاب ' الفرائض ' بإسناده عن صفوان بن أمية قال : ' كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه عمرو بن مرة فقال له : يا رسول الله إن الله كتب علي الشقوة , فلا أراني أرزق من دفي بكفي , فائذن لي في الغناء من غير فاحشة . فقال عليه الصلاة والسلام : ' لا آذن لك ولا كراهة ولا نعمة كذبت أي عدو الله لقد رزقك الله [ رزقا ] طيبا فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه على ما أحل الله لك من حلاله , أما لو قلت بعد هذه المقدمة شيئا ضربتك ضربا وجيعا ' . وأما المعنى فإن الله - تعالى - منع المكلف من الانتفاع بهن وأمر غيره بمنعه من الانتفاع به , ومن منع من أخذ الشيء والانتفاع به لا يقال : إنه رزقه إياه , ألا ترى أنه لا يقال : إن السلطان قد رزق جنده مالا قد منعهم من أخذه , وإنما يقال : إنه رزقهم ما مكنهم من أخذه , ولا يمنعهم منه , ولا أمر بمنعهم منه . | وأجاب أصحابنا عن التمسك بالآيات بأنه كان الكل من الله , فإنه لا يضاف إليه ذلك ؛ لما فيه من سوء الأدب , كما يقال : يا خالق المحدثات والعرش والكرسي , ولا يقال : يا خالق الكلاب والخنازير , وقال : { يشرب بها عباد ? لله } [ الإنسان : 6 ] فخص اسم العباد بالمتقين , وإن كان الكفار أيضا من العباد , وكلك هاهنا خص اسم الرزق بالحلال على سبيل التشريف , وإن كان الحرام رزقا أيضا . | وأجابوا عن التمسك بالخبر بأنه حجة لنا ؛ لأن قوله عليه الصلاة والسلام : ' فاخترت ما حرم الله عليك من رزقه ' صريح في أن الرزق قد يكون حراما . | وأجابوا عن المعنى بأن هذه المسألة محض اللغة , وهو أن الحرام هل يسمى رزقا أم لا ؟ ولا مجال للدلائل العقلية في الألفاظ , والله أعلم . | و ' نفقط الشيء : نفد , وكل ما جاء مما فاؤه نون , وعينه فاء , فدال على معنى ونحو ذلك إذا تأملت , قاله الزمخشري , وذلك نحو : نفد نفق نفر ' نفذ ' ' نفش ' ' نفح ' ' نفخ ' ' نفض ' ' نفل ' . | و ' نفق ' الشيء بالبيع نفاقا ونفقت الدابة : ماتت نفوقا , والنفقة : اسم المنفق . |

فصل في معاني ' من '

و ' من ' هنا لابتداء الغاية . | وقيل : للتبعيض , ولها معان أخر : |

بيان الجنس : { ف ? جتنبوا ? لرجس من ? لأوثان } [ الحج : 30 ] . | والتعليل : { يجعلون أصابعهم في ? آذانهم من ? لصواعق } [ البقرة : 19 ] . | والبدل : { ب ? لحياة ? لدنيا من ? لآخرة } [ التوبة : 38 ] . | والمجاوزة : { وإذ غدوت من أهلك } [ آل عمران : 121 ] . | وانتهاء الغاية : ' قربت منه ' . | والاستعلاء { ونصرناه من ? لقوم } [ الأنبياء : 77 ] . | والفصل : { يعلم ? لمفسد من ? لمصلح } [ البقرة : 220 ] . | وموافقة ' الباء ' { ينظرون من طرف خفي } [ الشورى : 45 ] , { ماذا خلقوا من ? لأرض } [ فاطر : 40 ] . | والزيادة باطراد , وذلك بشرطين كون المجرور نكرة والكلام غير موجب . واشترط الكوفيون التنكير فقط , ولم يشترط الأخفش شيئا . و ' الهمزة ' في ' أنفق ' للتعدية , وحذفت من ' ينفقون ' لما تقدم في ' يؤمنون ' . |

فصل في قوله تعالى ' ومما رزقناهم ينفقون '

قال ابن الخطيب : في قوله : { ومما رزقناهم ينفقون } فوائد : | إحداها

Page 294