146

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

ينفقون } يحتمل أن يكون كالتفسير لكونهم متقين , وذلك لأن المتقي هو الذي يكون فاعلا للحسنات وتاركا للسيئات , أما الفعل فإما أن يكون فعل القلب وهو قوله : ' الذين يؤمنون ' . | وإما أن يكون فعل الجوارح , أساسه الصلاة والصدقة ؛ لأن العبادة إما أن تكون بدنية , وأصلها الصلاة , أو مالية وأصلها الزكاة , ولهذا سمى الرسول عليه الصلاة والسلام : ' الصلاة عماد الدين , والزكاة قنطرة الإسلام ' أما الترك فهو داخل في الصلاة , لقوله تعالى : { إن ? لصلاة تنهى ? عن ? لفحشآء و ? لمنكر } [ العنكبوت : 45 ] واختلف الناسي في مسمى الإيمان في عرف الشرع على أربع فرق : | الفرقة الاولى : قالوا : الإيمان اسم لأفعال القلوب , والجوارح , والإقرار باللسان , وهم المعتزلة والخوارج والزيدية , وأهل الحديث . | أما الخوارج فقد اتفقوا على أن الإيمان بالله يتناول المعرفة بالله , وبكل ما وضع عليه دليلا عقليا , أو نقليا من الكتاب والسنة , ويتناول طاعة الله في جميع ما أمر الله به من الأفعال والتروك صغيرا كان أو كبيرا . | فقالوا : مجموع هذه الأشياء هو الإيمان , وترك كل خصلة من هذه الخصال كفر , أما المعتزلة فقد اتفقوا على أن الإيمان إذا عدي بالباء , فالمراد به التصديق ؛ إذ الإيمان بمعنى أداء الواجبات لا يمكن فيه هذه التعدية , فلا يقال : فلان آمن بكذا إذا صلى وصام , بل يقال : فلان آمن بالله كما يقال : صام وصلى لله , فالإيمان المعدى بالباء يجري على طريقة أهل اللغة . | أما إذا ذكر مطلقا غير معدى , فقد اتفقوا على أنه منقول من المسمى اللغوي - الذي هو التصديق - إلى معنى آخر , ثم اختلفوا فيه على وجوه : | أحدها : أن الإيمان عبارة عن فعل كل الطاعات , سواء كانت واجبة أم مندوبة , أو من باب الأقوال أو الأفعال , أو الاعتقادات , وهو قول واصل بن عطاء , وأبي الهذيل , والقاضي عبد الجبار بن أحمد . | وثانيها : أنه عبارة عن فعل الواجبات فقط دون النوافقل , وهو قول أبي علي وأبي هاشم . | وثالثها : أن الإيمان عبارة عن [ اجتناب كل ما جاء فيه الوعيد . ثم يحتمل أن يكون من الكبائر ما لم يرد فيه الوعيد ] . | فالمؤمن عند الله كل من اجتنب ] كل الكبائر , والمؤمن عندنا كل من اجتنب ما ورد فيه الوعيد , وهو قول النظام , ومن أصحابه من قال : شرط كونه مؤمنا عندنا وعند الله اجتناب الكبائر كلها . | وأما أهل الحديث فذكروا وجهين : | الأول : أن المعرفة إيمان كامل وهو الأصل , ثم بعد ذلك كل طاعة إيمان على حدة , وهذه الطاعات لا يكون شيء منها إيمانا إذلا إذا كانت مرتبة على الأصل الذي هو المعرفة . وزعموا أن الجحود وإنكار القلب كفر , ثم كل معصية بعد كفر على حدة , ولم يجعلوا شيئا من الطاعات إيمانا ما لم توجد المعرفة والإقرار , ولا شيئا من المعاصي كفرا ما لم يوجد الجثحود والإنكار ؛ لأن الفرع لا يحصل بدون ما هو أصله , وهو قول عبد الله بن سعيد بن كلاب . | والثاني : زعموا أن الإيمان اسم للطاعات كلها , وهو إيمان واحد , وجعلوا الفرائض والنوافل كلها من جملة الإيمان , ومن ترك شيئا من الفرائض فقد انتقص إيمانه , ومن ترك النوافل لا ينتقص إيمانه . | ومنهم من قال : الإيمان اسم للفرائض دون النوافل . | الفرقة الثانية الذين قالوا : الإيمان باللسان والقلب نعا , وقد اختلف هؤلاء على مذاهب : | الأول : أن الإيمان إقرار باللسان , ومعرفة بالقلب , وهو قول أبي حنيفة وعامة الفقهاء , ثم هؤلاء اختلفوا في موضعين : | أحدهما : اختلفوا في حقيقة هذه المعرفة , فمنهم من فسرها بالاعتقاد الجازم - سواء كان اعتقادا تقليديا , أو كان علما صادرا عن الدليل - وهم الأكثرون الذين يحكمون بأن المقلد مسلم . | ومنهم من فسرها بالعلم الصادر من الاستدلال . | وثانيهما : اختلفوا في أن العلم المعتبر في تحقيق الإيمان علم بماذا ؟ قال بعض المتكلمين : هو العلم بالله , وبصفاته على سبيل الكمال والتمام , ثم إنه لما كثر اختلاف الخلق في صفات الله تعالى لا جرم أقدم كل طائفة على تكفير من عداها من الطوائف . | وقال أهل الإنصاف : المعتبر هو العلم بكل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد عليه الصلاة والسلام , فعلى هذا القول العلم بكونه تعالى عالما بالعلم , أو عالما بذاته , وبكونه مرئيا أو غير مرئي , لا يكون داخلا في مسمى الإيمان . | القول الثاني : أن الإيمان هو التصديق بالقلب واللسان معا , وهو قول بشر بن غياث المريسي , وأبي الحسن الأشعري , والمراد من التصديق بالقلب الكلام القائم بالنفس . | الفرقة الثالثة الذين قالوا : الإيمان عبارة عن عمل القلب فقط , وهؤلاء اختلفوا على قولين : | أحدهما : أن الإيمان معرفة الله بالقلب , حتى إن من عرف الله بقلبه , ثم جحد بلسانه ومات قبل أن يقر به فهو مؤمن كامل الإيمان , وهو قول جهم بن صفوان . | وأما معرفة الكتب والرسل واليوم الآخر فقد زعم أنها غير داخلة في حد الإيمان . | وحكى الكعبي عنه : أن الإيمان معرفة الله مع معرفة كل ما علم بالضرورة كونه من دين محمد . | ثانيهما : أن الإيمان مجرد التصديق بالقلب , وهو قول الحسين بن الفضل البجلي . | الفرقة الرابعة الذين قالوا : الإيمان هو الإقرار باللسان فقط , وهم فريقان : | الأول : أن الإقرار باللسان هو الإيمان فقط , لكن شرط كونه إيمانا حصول المعرفة في القلب , فالمعرفة شرط لكونه الإقرار اللساني إيمانا , لا أنها داخلة في مسمى الإيمان , وهو قول غيلان بن مسلم الدمشقي , والفضل الرقاشي , وإن كان الكعبي قد أنكر كونه ل ' غيلان ' . الثاني : أن الإيمان مجرد الإقرار باللسان , وهو قول الكرامية , وزعموا أن المنافقمؤمن الظاهر كافر السريرة , فثبت له حكم المؤمنين في الدنيا , وحكم الكافرين في الآخرة , فهذا مجموع أقوال الناس في مسمى الإيمان في عرف الشرع . | و ' بالغيب ' متعلق ب ' يؤمنون ' , ويكون مصدرا واقعا موقع اسم الفاعل , أو اسم المفعول , وفي هذا الثاني نظر ؛ لأنه من ' غاب ' وهو لازم , فكيف يبنى منه اسم مفعول من ' فعل ' مضعفا متعديا , أي : المغيب , وفيه بعد . وقال الزمخشري : يجوز أن يكون مخففا من ' فيعل ' نحو : ' هين ' من ' هين ' , و ' ميت ' من ' ميت ' . وفيه نظر ؛ لأنه لا ينبغي أن يدعى ذلك فيه حتى يسمع مثقلا كنظائره , فإنها سمعت مخففة ومثقلة , ويبعد أن يقال : التزم التخفيف في هذا خاصة . ويجوز أن تكون ' الباء ' للحال فيتعلق بمحذوف أي : يؤمنون متلبسين بالغيب عن المؤمن به , و ' الغيب ' حينئذ مصدر على بابه . |

فصل في معنى ' يؤمنون بالغيب '

في قوله ' يؤمنون بالغيب ' قولان : | الأول : قول أبي مسلم الأصفهاني

Page 286