147

Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb

اللباب في علوم الكتاب

Editor

الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض

Publisher

دار الكتب العلمية

Edition

الأولى

Publication Year

1419 هـ -1998م

Publisher Location

بيروت / لبنان

أن قوله : ' يؤمنون بالغيب ' صفة المؤمنين معناه : أنهم يؤمنون بالله حال الغيبة كما يؤمنون به حال الحضور , لا كالمنافقين الذين ' إذا لقوا الذين آمنوا , آمن : وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا : إنا معكم ' . | نظيره قوله : { ذ ? لك ليعلم أني لم أخنه ب ? لغيب } [ يوسف : 52 ] , وذلك مدح للمؤمنين بأن ظاهرهم موافق لباطنهم ومباين لحال المنافقين . | الثاني : وهو قول جمهور المفسرين أن الغيب هو الذي يكون غائبا عن الحاسة , ثم هذا الغيب ينقسم إلى ما هو عليه دليل , وإلى ما ليس عليه دليل . | فالمراد من هذه الآية مدح المتقين بأنهم يؤمنون بالغيب الذي دل عليه بأن يتفكروا , ويستدلوا فيؤمنوا به , وعلى هذا يدخل فيه العلم بالله - تعالى - وبصفاته والعلم بالآخرة , والعلم بالنبوة , والعلم بالأحكام بالشرائع , فإن في تحصيل هذه العلوم بالاستدلال مشقة يصلح أن يكون سببا لاستحقاق الثناء العظيم . | واحتج أبو مسلم بأمور : | الأول : أن قوله : { و ? لذين يؤمنون بمآ أنزل إليك ومآ أنزل من قبلك وب ? لآخرة هم يوقنون } [ البقرة : 4 ] إيمان بالأشياء الغائبة , فلو كان المراد من قوله : ' الذين يؤمنون بالغيب ' هو الإيمان بالأشياء الغائبة لكان المعطوف نفس المعطوف عليه , وهو غير جائز . | الثاني : لو حملناه على الإيمان بالغيب يلزم إطلاق القول بأن الإنسان يعلم الغيب , وهو خلاف قوله تعالى : { وعنده مفاتح ? لغيب لا يعلمهآ إلا هو } [ الأنعام : 59 ] وكذا سائر الآيات الباقية تدل على كون الإنسان عالما بالغيب . أما على قولنا فلا يلزم هذا المحذور . الثالث : لفظ ' الغيب ' إنما يجوز إطلاقه على من يجوز الحضور , فعلى هذا لا يجوز إطلاق لفظ الغيب على ذات الله - تعالى - وصفاته , فقوله : ' الذين يؤمنون بالغيب ' لو كان المراد منه الإيمان بالغيب لما دخل فيه الإيمان بذت الله وصفاته , ولا ينبغي فيه الإيمان بالآخرة , وذلك غير جائز ؛ لأن الركن الأعظم هو الإيمان بذات الله وصفاته , فكيف يجوز حمل اللفظ على معنى يقتضي خروج الأصل ؟ | أما على قولنا فلا يلزم خذا المحذور . | والجواب عن الأول : أن قوله : ' يؤمنون بالغيب ' الإيمان بالغائبات على الإجمال , ثم إن قوله بعد ذلك : ' والذين يؤمنون بما أنزل إليك ' يتناول الإيمان ببعض الغائبات , فكان هذا من باب عطف التفصيل على الجملة , وهو جائز كقوله : { وملا ? ئكته ورسله وجبريل } [ البقرة : 98 ] . | وعن الثاني : لا نزاع في أننا نؤمن بالأشياء الغائبة عنا , فكان ذلك التخصيص لازما على الوجهين جميعا . | فإن قيل : أفتقولون : العبد يعلم الغيب أم لا ؟ | قلنا : قد بينا أن الغيب ينقسم إلى ما عليه دليل , وإلى ما لا دليل عليه . | أما الذي عليه دليل فلا يمتنع أن نقول : نعلم من الغيب ما لنا عليه دليل , وعلى هذا الوجه قال العلماء : الاستدلال بالشاهد على الغائب أحد أقسام الأدلة . | وعن الثالث : لا نسلم أن لفظ الغيبة لا يستعمل إلا فيما يجوز عليه الحضور , والدليل على ذلك أن المتكلمين يقولون هذا من باب إلحاق الغائب بالشاهد , ويريدون بالغائب ذات الله تعالى وصفاته , والله أعلم . | واختلفوا في المراد ب ' الغيب ' . | قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : ' الغيب - ها هنا - كل ما أمرت بالإيمان به فيما غاب عن بصرك مثل : الملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان ' . | وقيل : الغيب هاهنا هو الله تعالى . | وقيل : القرآن . | وقال الحسن : الآخرة . | وقال زر بن حبيش , وابن جريج : بالوحي . | ونظيره : { أعنده علم ? لغيب } [ النجم : 35 ] قال ابن كيسان : بالقدر . | وقال عبد الرحمن بن يزيد : كنا عند عبد الله بن مسعود , فذكرنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما سبقوا به , فقال عبد الله : إن أمر محمدا كان بينا لمن رآه , والذي لا إله غيره ما آمن أحد قط أفضل من إيمان الكتب , ثم قرأ : ' الم ذلك الكتاب لا ريب فيه ' إلى قوله ' المفلحون ' . | وقال بعض الشيعة : المراد بالغيب المهدي المنتظر . | قال ابن الخطيب : ' وتخصص المطلق من غير دليل باطل ' . | قرأ أبو جعفر , وأبو عمرو وورش : ' يؤمنون ' , بترك الهمزة . | ولذلك يترك أبو جعفر كل همزة ساكنة إلا في { أنبئهم } [ البقرة : 33 ] , و { ينبئهم } [ المائدة : 14 ] , و { نبئنا } [ يوسف : 36 ] . | ويترك أبو عمرو كلها , إلا أن يكون علامة للجزم نحو : { ونبئهم } [ الحجر : 51 ] , ' وأنبئهم ' , و { تسؤهم } [ آل عمران : 120 ] , و { إن نشأ } [ الشعراء : 4 ] ونحوها , أو يكون خروجا من لغة إلى أخرى نحو : { مؤصدة } [ البلد : 20 ] , و { ورءيا } [ مريم : 74 ] . | ويترك ورش كل همزة ساكنة كانت ' فاء ' الفعل , إلا { وتؤوي ? } [ الأحزاب : 51 ] و { تؤويه } [ المعارج : 13 ] , ولا يترك من عين الفعل إلا { ? لرؤيا } [ الإسراء : 60 ] وبابه , أو ما كان على وزن ' فعل ' . و ' يقيمون ' عطف على ' يؤمنون ' فهو صلة وعائد . | وأصله : يؤقومون حذفت همزة ' أفعل ' ؛ لوقوعها بعد حرف المضارعة كما تقدم فصار : يقومون , فاستثقلت الكسرة على الواو , ففعل فيه ما فعل في ' مستقيم ' , وقد تقدم في الفاتحة . ومعنى ' يقيمون ' : يديمون , أو يظهرون , قال تعالى : { على ? صلاتهم دآئمون } [ المعارج : 23 ] وقال الشاعر : [ الوافر ] | 120 - أقمنا لأهل العراقين سوق البط | طعان فخاموا وولوا جمعا

Page 288