Al-Lubāb fī ʿUlūm al-Kitāb
اللباب في علوم الكتاب
Editor
الشيخ عادل أحمد عبد الموجود والشيخ علي محمد معوض
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
1419 هـ -1998م
Publisher Location
بيروت / لبنان
الصيانة . | قال ابن عباس رضي الله عنهما : التقي : من يتقي الشرك والكبائر والفواحش , وهو مأخوذ من الاتقاء , وأصله : الحجز بين شيئين . | وفي الحديث : ' كان إذا احمر البأس اتقينا برسول الله صلى الله عليه وسلم ' . | أي : إذا اشتد الحرب جعلنا بيننا وبين العدو , فكأن المتقي جعل الامتثال لأمر الله , والاجتناب عما نهاه حاجزا بينه وبين العذاب , وقال عمر بن الخطاب لكعب الأحبار : ' حدثني عن التقوى , فقال : هل أخذت طريقا ذا شوك ؟ قال : نعم , قال : فما عملت فيه ؟ قال : حذرت وشمرت , قال كعب : ذلك التقوى ' . وقال عمر بن عبد العزيز : التقوى ترك ما حرم الله , وأداء ما افترض الله , فما رزق الله بعد ذلك فهو خير إلى خير . | وقال ابن عمر : التقوى ألا ترى نفسك خيرا من أحد . | إذا عرفت هذا فنقول : إن الله - تعالى - ذكر المتقي هاهنا في معرض المدح , [ ولن يكون ذلك ] بان يكون متقيا فيما يتصل بالدين , وذلك بأن يكون آتيا بالعبادات , محترزا عن المحظورات . واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى ؟ فقال بعضهم : يدخل كما تدخل الصغائر في الوعيد . | وقال آخرون : لا يدخل , ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل , إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم ؟ | فروي عنه - عليه الصلاة والسلام - أنه قال : ' لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس ' . وعن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليهن ويرجعون رحمته بالتصديق بما جاء منه . | واعلم أن حقيقة التقوى , وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن , والغرض الأصلي منها الإيمان تارة ؛ كقوله تعالى : { وألزمهم كلمة ? لتقوى ? } [ الفتح : 26 ] أي : التوحيد { أول ? ئك ? لذين ? متحن ? لله قلوبهم للتقوى ? } [ الحجرات : 3 ] , { قوم فرعون ألا يتقون } [ الشعراء : 11 ] أي : لا يؤمنون . | وتارة التوبة كقوله تبارك وتعالى : { ولو أن أهل ? لقرى ? آمنوا و ? تقوا } [ الأعراف : 96 ] , { وأنا ربكم ف ? تقون } [ المؤمنون : 52 ] . | وتارة ترك المعصية كقوله تعالى : { وأتوا ? لبيوت من أبوابها و ? تقوا ? لله } [ البقرة : 189 ] أي : فلا تعصوه . | وتارة الإخلاص كقوله : { فإنها من تقوى ? لقلوب } [ الحج : 32 ] أي : من إخلاص القلوب . | وهاهنا سؤالات : | السؤال الأول : كون الشيء هدى ودليلا لا يختلف بحسب شخص دون شخص فلماذا جعل القرآن هدى للمتقين فقط ؟ وأيضا فالمتقي مهتدي ؟ والمهتدي لا يهتدي ثانيا , والقرآن لا يكون هدى للمتقين ؟ | والجواب : أن القرآن كما أنه هدى للمتقين , ودلالة لهم على وجود الصانع , وعلى صدق رسوله , فهو أيضا دلالة للكافرين ؛ إلا أن الله تبارك وتعالى ذكر المتقين مدحا ليبين أنهم هم الذين اهتدوا , وانتفعوا به كما قال : { إنمآ أنت منذر من يخشاها } [ النازعات : 45 ] وقال : { إنما تنذر من ? تبع ? لذكر } [ يس : 11 ] . | وقد كان عليه الصلاة والسلام منذرا لكل الناس , فذكر هؤلاء الناس لأجل أن هؤلاء هم الذين انتفعوا بإنذاره . | وأما من فسر الهدى بالدلالة الموصلة إلى المقصود , فهذا السؤال زائل عنه ؛ لأن كونه القرآن موصلا إلى المقصود ليس إلا في حق المتقين . | السؤال الثاني : كيف وصل القرآن كله بأنه هدى , وفيه مجمل ومتشابه كثير , ولولا دلالة العقل لما تميز المحكم عن المتشابه , فيكون الهدى في الحقيقة هو الدلالة العقلية لا القرآن ؟ | ونقل عن علي بن أبي طالب أنه قال لابن عباس حيث بعثه رسولا إلى الخوارج : لا تحتج عليهم بالقرآن , فإنه خصم ذو وجهين , ولو كان هدى لما قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - ذلك فيه , ولأنا نرى جميع فرق الإسلام يحتجون به , ونرى القرآن مملوءا من آيات بعضها صريح في الجبر , وبعضها صريح في القدر ؛ فلا يمكن التوفيق بينهما إلا بالتعسف الشديد , فكيف يكون هدى ؟ | الجواب : أن ذلك المتشابه والمجمل لما لم ينفك عما هو المراد على التعيين - وهو إما دلالة العقل , أو دلالة السمع - صار كله هدى . | السؤال الثالث : كل ما يتوقف كون القرآن حجة على صحته لم يكن القرآن هدى فيه , فإذا استحال كون القرآن هدى في معرفة ذات الله - تعالى - وصفاته , وفي معرفة النبوة , فلا شك أن هذه المطالب أشرف المطالب , فإذا لم يكن القرآن هدى فيها , فكيف جعله الله هدى على الإطلاق ؟ | الجواب : ليس من شرط كونه هدى أن يكون هدى في كل شيء , بل يكفي فيه أن يكون هدى في بعض الأشياء , وذلك بأن يكون هدى في تعريف الشرائع , أو يكون هدى في تأكيد ما في العقول , وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن المطلق لا يقتضي العموم , فإن الله - تعالى - وصفة بكونه هدى من غير تقييد في اللفظ , مع أنه يستحيل أن يكون هدى في إثبات الصانع , وصفاته , وإثبات النبوة , فثبت أن المطلق لا يفيد العموم . | السؤال الرابع : الهدى هو الذي بلغ في البيان والوضوح إلى حيث بين غيره , والقرآن ليس كذلك , فإن المفسرين ما ذكروا آية إلا وذكروا فيها أقوالا كثيرة متعارضة , ويؤيد هذا قوله : { لتبين للناس ما نزل إليهم } [ النحل : 44 ] . | وما يكون كذلك لا يكون مبينا في نفسه , فضلا عن أن يكون مبينا لغيره , فكيف يكون هدى ؟ قلنا : من تكلم في التفسير بحيث يورد الأقوال المتعارضة , ولا يرجح واحدا منها على الباقي يتوجه عليه السؤال , وأما من رجح واحدا على البواقي فلا يتوجه عليه السؤال . { س 2 ش 3 الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون } | ' الذين ' يحتمل الرفع والنصب والجر , والظاهر الجر , وهو من ثلاثة أوجه : أظهرها : أنه نعت ل ' المتقين ' . | والثاني : بدل . | والثالث : عطف بيان . | وأما الرفع فمن وجهين : | أحدهما : أنه خبر مبتدأ محذوف على معنى القطع , وقد تقدم . | والثاني : أنه مبتدأ , وفي خبره قولان : أحدهما : ' أولئك ' الأولى . | والثاني : ' أولئك ' الثانية , والواو زائدة , وهذان القولان منكران ؛ لأنه قوله : ' والذين يؤمنون ' يمنع كونه ' أولئك ' الأولى خبرا أيضا . | وقولهم : الواو زائدة لا يلتفت إليه . | والنصب على القطع . | و ' يؤمنون ' صلة وعائد . | قال الزمخشري : ' فإذا كان موصولا كان الوقف على ' المتقين ' حسنا غير تام , وإذا كان منقطعا كان واقفا تاما ' . | وهو مضارع علامة رفعه ' النون ' ؛ لأنه أحد الأمثلة الخمسة وهي عبارة عن كل فعل مضارع اتصل به ' ألف ' اثنين , أو ' واو ' جمع , أو ' ياء ' مخاطبة , نحو : ' يؤمنان - تؤمنان - يؤمنون - تؤمنون - تؤمنين ' . | والمضارع معرب أبدا , إلا أن يباشر نون توكيد أو إناث , على تفصيل ياتي إن شاء الله - تعالى - في غضون هذا الكتاب . | وهو مضارع ' أمن ' بمعنى : صدق , و ' آمن ' مأخوذ من ' أمن ' الثلاثي , فالهمزة في ' أمن ' للصيرورة نحو : ' أعشب المكان ' أي : صار ذا عشب . | أو لمطاوعة فعل نحو : ' كبه فأكب ' , وإنما تعدى بالباء , لنه ضمن معنى اعترف , وقد يتعدى باللام كقوله تعالى : { ومآ أنت بمؤمن لنا } [ يوسف : 17 ] , { فمآ آمن لموسى ? } يونس : 83 ] إلا أن في ضمن التعدية باللام التعدية بالباء , فهذا فرق ما بين التعديتين . وأصل ' يؤمنون ' : ' يؤأمنون ' بهمزتين : | الأولى : همزة ' أفعل ' . | والثاني فاء الكلمة , حذفت الولى ؛ لأن همزة ' أفعل ' تحذف بعد حرف المضارعة , واسم فاعله , ومفعوله نحو : طأكرم ' و ' يكرم ' و ' أنت مكرم , ومكرم ' . | وإنما حذفت ؛ لأنه في بعض المواضع تجتمع همزتان , وذلك إذا كان حرف المضارعة همزة نحو : ' أنا أكرم ' , الأصل : أأكرم بهمزتين , الولى : للمضارعة والثانية : همزة أفعل , فحذفت الثانية ؛ لأن بها حصل الثقل ؛ ولأن حرف المضارعة أولى بالمحافظة عليه , ثم حصل باقي الباب على ذلك طردا للباب . | ولا يجوز ثبوت همزة ' أفعل ' في شيء من ذلك إلا في ضرورة ؛ كقوله : [ الرجز ]
119 - فإنه أهل لأن يؤكرما | وهمزة ' يؤمنون ' - وكذلك كل همزة ساكنة - يجوز أن تبدل بحركة ما قبلها , فتبدل حرفا متجانسا نحو : ' راس ' و ' بير ' و ' يومن ' , فإن اتفق أن يكون قبلها همزة أخرى وجب البدل نحو : ' إيمان ' و ' آمن ' .
فصل
قال بعضهم : { ? لذين يؤمنون ب ? لغيب ويقيمون ? لصلاة ومما رزقناهم
Page 281