429

البليات فيها لاحقة للأنبياء والأولياء، وهي منقضية، وقد حكمها الله تعالى، وأحكم خلق بدن الإنسان وجعل فيه من القوى المدركة والغاذية وما يتوقف عليه، وجعل له قوى العلوم بمراتبها، وفيه من العجائب ما يبهر عقل كل عاقل، ولا يعرف ذلك إلا من وقف على علم التشريح.

ثم خلق من المطعومات والمشمومات والمركوبات والنبات والحيوان والمعادن وحركات الكواكب وتأثيراتها بالحر والبرد ما يدل بصريحه على تمام حكمة صانعه، فتبارك الله أحسن الخالقين.

ثم قال تعالى: خلق لكم ما في الأرض جميعا (1) ؛ تكرمة لبني آدم.

فالعاقل إذا أمعن النظر بصحيح الفكر والاعتبار يجد هذه الدار التي سماها لهوا ولعبا ودار الغرور بهذه الحكمة، ويكرم الإنسان فيها بهذه الكرامة بهذه المنافع، لم يهمل دار قراره وآخرته، بألا ينصب إماما معصوما يحصل اليقين بقوله، يحفظ الشرع، ويقيم نظام النوع ويهديه، ويلزمه الطريق الذي يوصله إلى دار القرار، بل يجعل ذلك موكولا إلى الخلق ولا يجعل فيهم معصوما، ليختار[أرباب العقول] (2)

الضعيفة والقوى الشهوية والغضبية القوية بعقلهم من لا يحصل اليقين بقوله هو، ولا يوثق بفعله؛ إذ يجوز عليه الخطأ أو أكبر منه، فلا يحصل له طريق إلى اليقين بحكم الله تعالى.

فكيف يمكن إحكام أمور الإنسان في هذه الدار وإهمال أموره في تلك الدار، مع أن هذه الدار ليست بمقصودة بالذات، إنما المقصود تلك؟ هذا ينافي الحكمة بالضرورة، ولا يقول به من له أدنى فطنة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

الرابع والعشرون:

الدليل لا بد أن يمتنع معه نقيض المدلول، وإلا لم يكن دليلا

Page 20