326

وفي { ماذا } وجهان:

أولهما: أن تكون كلمة واحدة يراد بها الاستفهام، وعليه فهي مفعولة لأراد.

ثانيهما: أن تكون " ما " اسما دالا على الاستفهام، و " ذا " اسما موصولا؛ لما عهد أنها تكون موصولة بعد من وما الاستفهاميتين إذا كانت صلتها معلومة، وعليه فما مبتدأ والموصول خبره، و " أراد " وما بعدها صلة للموصول، ولا خلاف بين أئمة العربية - حسبما أعلم - في جواز هذين الوجهين في مثل هذا الموضع، وهذا الذي درج عليه المفسرون، ووهم ابن عطية فزعم أنهما قولان، وتابعه القرطبي والشوكاني في تفسيريهما، ونصوص أئمة العربية ترد عليهم، وفي { ماذا } أوجه أخرى لا داعي إلى ذكرها لضعفها.

وإرادة الشيء ضد كراهته، وهي مأخوذة من راد يرود إذا سعى في طلب شيء، وجعلوها اسما لنزوع النفس إلى الشيء مع الحكم بأنه ينبغي فعله أو عدم فعله، وذكروا أنها في الأصل قوة مركبة من شهوة وخاطر وأمل، وهي بحسب ما ذكروه مستحيلة على الله تعالى، ومن هنا احتيج إلى تعريف آخر للإرادة الربانية، وقد سلك علماء الكلام في ذلك طرائق قددا، والأسلم أن يقال " إن إرادته تعالى هي صفة ذاتية له تنتفي بها صفة الإكراه كما ينتفي بالحياة الموت، وبالقدرة العجز، وبالعلم الجهل، وتنشأ عنها أفعاله تعالى في الوجود " ، ولا يرد عليه كون أفعال غيره مرادة له سبحانه لأنها مخلوقة له تعالى، والخلق فعل له فهي ناشئة عن أفعاله الناشئة عن إرادته.

والإشارة هنا تفيد التحقير على حد قولهم فيما حكى الله عنهم:

أهذا الذي بعث الله رسولا

[الفرقان: 41]، ومثلا تمييز من هذا لأنه مبهم فيحق له التمييز، وجوز أن يكون حالا من اسم الجلالة أو من هذا على تأويله باسم الفاعل على الأول، وباسم المفعول على الثاني، أي ممثلا أو ممثلا به.

واختلف في قوله: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } هل هو من مقول الله تعالى، أو من مقول الذين كفروا؟

والأول هو الأرجح نظرا إلى قوله من بعد { وما يضل به إلا الفاسقين } إذ ليس من المعقول أن يقول ذلك الكفار، وعليه فهاتان الجملتان مبنيتان على الجملتين المصدرتين بأما، لتفسير ما فيهما على طريقة النشر المعكوس، فإن الذين آمنوا هم المهديون، وقد تقدم ذكرهم هناك، وتأخر هنا، والعكس في الذين كفروا، وقيل: هما جواب للاستفهام في قولهم: { ماذآ أراد الله بهذا مثلا } فكأنهم أجيبوا أن الله سبحانه أراد به ازدياد هداية المؤمنين فيغنموا، وضلال الكافرين فيخسروا، وإنما ذكر المراد - وهو الهداية والإضلال - بدلا من الإرادة لأنه الغاية منها، ولم ير ابن عاشور جعله جوابا للاستفهام، لأنه ليس استفهاما حقيقيا بل هو إنكاري، ولا جواب لاستفهام الإنكار اللهم إلا أن يخرج الكلام على الأسلوب الحكيم بأن يحمل الاستفهام على ظاهره، تنبيها على أن اللائق بهم أن يسألوا عن الحكمة في ذلك فيكون قوله: { يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا } جوابا عنه.

ووصف الله المهديين وغيرهم بالكثرة - مع أن الصالحين أقل من غيرهم في جميع العصور - وهو الذي تقتضيه المشاهدة، ويدل عليه قوله تعالى:

Unknown page