325

والفاء هنا تفيد الترتيب الذكري لا الوقوعي، لأنها عاطفة للتفصيل على الإجمال، ومن شأن المفصل أن يذكر بعد المجمل، وهذا التفصيل بعدما تقدم، لأن الناس بعد سماعهم أن الله لا يستحيي من ضرب الأمثال بأي شيء كان، تستشرف نفوسهم على ما يترتب على ضربها من قبل المخاطبين بها، فكان هذا التفصيل بمثابة الإجابة على تساؤلهم.

ويستفاد ما ذكرته من التفصيل من أداته الموضوعة له وهي " أما " كما يستفاد منها التأكيد فإنها مقترنة به دائما مع التفصيل وعدمه، فقد يفارقها التفصيل ولكن لا يفارقها التأكيد، كما إذا أردت أن تؤكد اتصاف محمد بالعلم فقلت أما محمد فعالم؛ فهي هنا خالصة للتأكيد.

والحق من حق يحق إذا ثبت، ومنه قوله تعالى:

كذلك حقت كلمت ربك

[يونس: 33]، وأصله المطابقة والموافقة، وهو شرعا ما طابق حكم الله من قول أو فعل أو اعتقاد، فهو أعم من الصدق، لأن الصدق ينحصر في القول وحده، ويطلق على ذات الله سبحانه، كما في قوله:

ويعلمون أن الله هو الحق المبين

[النور: 25]، لأن معرفة الحق لا تكون إلا به، وحقيقته لا تصدر إلا عنه، ولأنه لا تصدر أفعاله إلا عن حكمة سواء علمها الناس أو جهلوها.

وعلم الذين آمنوا أن هذه الأمثال حق من عند ربهم يعني معرفتهم بأنها مطابقة للواقع والحكمة، وأنها صادرة عن الله سبحانه، فهي تزيد إيمانهم قوة، ويقينهم رسوخا، وفي هذا تنويه بهم أنهم أصحاب البصائر وأولو العلم، وتيئيس للذين يحاولون غرس بذور الشك في نفوسهم، ومن ناحية أخرى فإن في ذلك تنبيها على أن عقيدتهم قائمة على العلم، وليست تقليدية كعقائد الكفار التي ليس لها أساس من المعرفة، ولا تنبني إلا على التقليد الأعمى.

وفي قوله: { وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } تسجيل عليهم بالغباوة والعناد، فقد غلب على عقولهم الهوى، واستولى على نفوسهم العناد، فمعرفتهم بالحق كعدمها من حيث إنهم لا يستفيدون منها شيئا، ولا يزدادون بها إلا عتوا واستكبارا، ولم يقل سبحانه فيهم وأما الذين كفروا فيجهلون أنه الحق من ربهم، فيقابل وصفهم بالجهل وصف المؤمنين بالعلم، لأنهم وإن كانوا لا ينتفعون بشيء من العلم، فهم ليسوا من الجهل بحيث تخفى عليهم حقيقة الأمر، بل هم مدركون أنه لا مطعن لطاعن في هذه الأمثال، فإنهم إن كانوا من كفار قريش فهم أعلى العرب كعبا في البلاغة، وأوسعهم ميدانا في الفصاحة، ولذلك كانت العرب في جاهليتها تحتكم إليهم في مساجلات بيانها شعرا ونثرا، وتقر لهم بإحرازهم القدح المعلى، وإن كانوا من اليهود فهم باحتكاكهم بالعرب - بحكم الجوار - استمدوا من فصاحتهم، ومرنت على العربية ألسنتهم، فصاروا كالعرب في التفريق بين جيد الكلام ورديئه، وإن كانوا من المنافقين فهم أيضا إما أن يكونوا منحدرين من سلالات عربية ذات عراقة في الفصاحة والبيان، وإما أن يكونوا منحدرين من السلالات اليهودية التي تعربت بجوارها للعرب.

وللمفسرين في الذين كفروا اختلاف بحسب هذه الأوجه التي ذكرتها، والكفر ينتظم هذه الطوائف الثلاث، فلا غموض في كفر مشركي العرب الذين اتخذوا مع الله آلهة أخرى، وكذلك كفر اليهود الذين حرفوا الكلم عن مواضعه، ونسوا حظا مما ذكروا به، وقتلوا النبيين بغير حق، وكذبوا خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، وحاولوا قتله، وبذلوا جهدهم في وقف دعوته وتشويه دينه، وأما المنافقون فهم وإن جرت عليهم أحكام الإسلام الظاهرية لتحليهم بمظاهر الإسلام فإن طواياهم طوايا الكفر، ولهم عند الله حكم الكافرين، فقد قال تعالى فيهم: { ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا }.

Unknown page