324

ويحتمل قوله { فما فوقها } وجهين:

أولهما: الفوقية في الوصف الذي ضرب به المثل؛ وهو الحقارة والمهانة، وذلك كما لو وصف أحد غيره ممن يعرف بسقوط القدر وخمول الهمة ورداءة الطبع بالصفات الدالة على المهانة، فقال له آخر ممن خبر أحوال الموصوف وأحاط بدناياه هو فوق ذلك، أي هو أبلغ مما وصفت في الضعة والإنحدار، وبناء عليه فالمعنى أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا بالبعوضة فما هو أحقر منها؛ كجناحها الذي أخبر الرسول عليه الصلاة والسلام أن الدنيا لا تسواه عند الله فجعله مثلا لها، وكالميكروبات التي لا تتسلط عليها العين إلا إن استعانت بأشعة المجهر، وهذا الوجه هو الذي اعتمده الفخر في مفاتيح الغيب والقطب في الهيميان ونسباه إلى المحققين.

ثانيهما: أن يكون المراد به ما هو أكبر منها حجما وأعظم منها قوة؛ كالحشرات التي تفوقها في ذلك، وهذا هو الذي عول عليه ابن جرير في تفسيره وبالغ في تضعيف الوجه الأول.

ومثل الآية في جواز الوجهين حديث عائشة رضي الله عنها عند مسلم:

" ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت بها عنه خطيئة "

فيجوز أن يراد بالفوق فيه مجاوزتها في القلة كنخبة النملة أو في الكثرة كالسقوط من السقف ولدغة الأفعى. ومن غريب التفسير قول الربيع بن أنس الذي رواه عنه ابن جرير؛ وهو أن الله ضرب البعوضة مثلا للدنيا فإنها تحيا إذا ما جاعت فإذا سمنت ماتت، وهكذا شأن الذين يغترون بالدنيا فيركنون إليها إذا ما امتلأوا أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، ثم تلا:

فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بمآ أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون

[الأنعام: 44]، وهو أقرب إلى الوعظ والتذكير منه إلى تفهيم معاني التنزيل.

الأمثال يعقلها العالمون:

هذا وإذا كانت سنة الله في كلامه أن يضرب الأمثال لعباده؛ فإن الناس يختلفون في تلقي هذه الأمثال باختلاف استعدادهم الذهني وصفائهم الفطري، فالذين اتقدت أذهانهم بوقود الإيمان، وصفت فطرهم بعامل اليقين، يتلقون هذه الأمثلة بالوعي التام والإدراك الشامل، فهم العالمون بحقائقها، المدركون لغاياتها، كما قال تعالى: { وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون } ، بخلاف أولئك الذين أظلمت أفكارهم وتلوثت فطرهم وانسدت أذهانهم، فإنهم لا أثر لهذه الأمثال على نفوسهم، بل يزدادون بها كفرا وضلالا، إذ لا يواجهونها إلا بالعتو والاستكبار، والسخرية والاستخفاف، وقد بين ذلك تعالى في قوله: { فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون ماذآ أراد الله بهذا مثلا } فهو تصوير لحال الطائفتين، وموقفهما من ضرب الله المثل.

Unknown page