Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
والحياء عارض نفسي يحدث للإنسان لصدور ما يعاب منه أو وقوعه عليه، ويظهر أثره على الوجه، وفعله حيي أو حي " بالإدغام " والأصل فيه إصابة الحياة، كما يقال حشى إذا أصيب حشاه، ونسى إذا أصيب نساه، وشظى الفرس إذا أصيب شظاه، وهذا لأن القوة الحيوانية تتضاءل في الإنسان إذا وقع منه أو عليه ما يستلزم الحياء.
والعوارض مستحيلة على الله سبحانه؛ فلذلك لزم تفسيره هنا بلازمه وهو الترك، فإن من شأن المستحيي أن يترك ما يستحيى منه، وفسره ابن جرير بالخشية، وعزا إلى بعض من سبقوه أن الحياء والخشية يتعاقبان بدليل قوله تعالى:
وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه
[الأحزاب: 37]، أي وتستحيي الناس والله أحق أن تستحييه، وتفسيره بالامتناع أولى.
وذهبت طائفة إلى أنه لا داعي إلى تأويله هنا، نظرا إلى أنه منفي عن الله وليس مثبتا له، ورد بأن المنفي هو استحياء مقيد بضرب البعوضة فما فوقها مثلا، وليس الإستحياء المطلق، على أن هذا التقييد قد يوهم إذا فسر الإستحياء بحقيقة معناه؛ أن الله يستحيي مما عداه، فلذلك دعت الضرورة إلى تأويله، ويؤيده ما جاءت به الأحاديث من وصف الله بالحياء بمعنى الامتناع، ومنه ما أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي بإسناد حسن عن يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" إن الله حيي كريم يستحيي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفرا حتى يضع فيهما خيرا "
، وأخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، والحاكم من حديث سلمان رضي الله تعالى عنه، ومعنى الإستحياء في الحديث الإمتناع من تخييب العبد الداعي.
ومما يستغرب أن ممن قال بعدم الداعي إلى تأويل الإستحياء في الآية لكونه منفيا من قال في موضع آخر من تفسيره: إن القاعدة أن ينظر إلى إثبات الفعل لمن أسند إليه هل يحمل على الحقيقة أو المجاز؟ فإن كان إثباته من باب المجاز فكذلك نفيه.
وضرب المثل هو صوغه مأخوذ من ضرب الخاتم ونحوه، وقيل هو تطبيقه مأخوذ من ضرب الطين في الجدار، ومنه قولهم ضربة لازب، ولم يكن ضرب الأمثال خاصا بالقرآن من بين الكتب السماوية، فالتوراة والإنجيل والزبور وردت فيها أمثال مختلفة منها بأشياء مهينة كالنخالة والقملة، كما بينه الواقفون عليها.
ولفظة " ما " كثيرا ما تلي الاسم النكرة لتأكيد تنكيره وإشاعة إبهامه وهي مزيدة عند ابن هشام لهذا الغرض، وعزاه الزجاج إلى البصريين، ووصفها بالزيادة اصطلاحي، وإلا فالمزيد ما أمكن الإستغناء عنه من غير خلل في المعنى، وهي هنا تفيد فائدة ظاهرة لا يمكن حصولها بدونها، إذ التنكير وحده لا يسد مسدها، وذهب آخرون إلى أنها صفة للنكرة لإفادتها مفاد المشتق، وقيل: هي بدل من النكرة وهو { مثلا } هنا، وقيل: هي عطف بيان بناء على القول بجوازه بعد النكرة، وذهب ابن جرير وآخرون إلى أنها اسم موصول، واستشكل بأن صلتها منصوبة، وأجاب عنه ابن جرير بأنها كمن في قول حسان:
Unknown page