321

وروى عبدالرزاق عن قتادة نحو ما رواه الواحدي عن ابن عباس وروى عنه وعن الحسن أنه لما ذكر الذباب والعنكبوت في القرآن ضحك اليهود، وقالوا ما يشبه أن يكون هذا كلام الله، فأنزل الله تعالى الآية ردا عليهم.

واستغرب ابن كثير ما أخرجه عبدالرزاق عن قتادة لأنه يقتضي أن تكون الآية مكية وهي بخلاف ذلك، ويمكن الجمع ما بين هذه الروايات جميعا، فاستنكار المشركين بمكة كان عند سماعهم في سورة العنكبوت ذكرها وذكر الذباب في سورة الحج، على أن الصحيح أن سورة الحج مدنية وإن قيل بمكيتها - وأن اليهود استنكروا ذلك عندما تليت عليهم السورتان بالمدينة بعد نزولهما بزمن، بناء على أن السورتين جميعا مكيتان، وأن المنافقين استنكروا ضرب المثلين السابقين في هذه السورة، فجاء الرد مبكتا لهذه الطوائف الثلاث في هذا الموضع، بعد ذكر جانب مما استنكروه من الأمثال.

ومن المعلوم أن اليهود والمنافقين كانوا يشكلون بالمدينة جبهة واحدة، بل جل المنافقين هم من العنصر اليهودي، فلعل الطائفتين جميعا شرقتا عندما أنزل الله المثلين في المنافقين، فأخذوا يتلمسون ما يتصورونه عيبا لا يليق بكلام الله في القرآن، وقد كانت الطائفتان على اتصال بمشركي قريش وغيرهم من المناوئين لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمحاربين لدعوته، وقوله تعالى في وصف الذين يضلون بالأمثال: { الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون مآ أمر الله به أن يوصل } يرجح أن استنكار المثل كان من اليهود لأنهم هم المعروفون بهذه الأوصاف، وأضاف إلى ذلك ابن عاشور أنهم كانوا لا حظ لهم في البلاغة، وكانوا من شأنهم التشاؤم من مدلولات الألفاظ.

وفيما أضافه نظر، فإن اليهود بسكناهم بين العرب تعربوا، فأخذوا حظا من البلاغة العربية، كما تدل على ذلك أشعارهم المنقولة، وضرب الأمثال ليس محصورا في العرب بل هو مشترك بينهم وبين غيرهم كما بينه الفخر الرازي.

وبناء على أن الآية رد على استنكار المشركين ما ضرب من الأمثال في السور المكية، فإن المجيء بالرد بعد ضرب تلك الأمثال بفترة من الزمن إنما هو لأجل رعاية المناسبة، وذكر ابن عاشور أن ذلك كما يمنع الكريم عدوه من عطاء فيلمزه الممنوع بلمز البخل، أو يتأخر الكمي عن ساحة القتال مكيدة منه فيظنها ناس جبنا، فيسرها الأول في نفسه حتى يأتيه القاصد فيعطيه عطاء جزلا، والثاني حتى يكر كرة تكون القاضية على قرنه، فكذلك لما أتى القرآن بأعظم الأمثال وأروعها، وهي قوله: { مثلهم كمثل الذي استوقد... أو كصيب.. } ، (الآيات)، وقوله: { صم بكم عمي... } أتى إثر ذلك بالرد عليهم ثم قال: " فهذا يبين لك مناسبة نزول هذه الآية عقب التي بعدها وقد غفل عن بيانه المفسرون.. ".

وما عزاه إلى المفسرين من الغفلة عن ذكر مناسبة الآية غير صحيح، فالفخر الرازي ذكر مناسبة أخرى هي أقوى في الدلالة على ارتباط ما في هذه الآية بما في التي قبلها مباشرة، وهي أن الله تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزا، أورد بعده شبهة أوردها الكفار قدحا في ذلك، وأجاب عنها، وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل، وذكر هذه الأشياء لا يليق بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلا عن كونه معجزا، فأجاب الله تعالى عنه بأنه صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ذكرها مشتملا على حكم بالغة، ثم قال: " فهذا هو الإشارة إلى تعلق هذه الآية بما قبلها.. " ، وقد أتى ابن عاشور نفسه بمعنى ما قاله الفخر.

وبالجملة فإن الآية رادة على استنكارهم ضرب الأمثال في القرآن سواء كان استنكارهم لمطلق الأمثال، أم للتمثيل بالمحقرات، فإن القرآن جار على سنن الكلام العربي، وضرب الأمثال شائع عند العرب، وهو مما يزيد المعاني رسوخا في الأذهان وانكشافا حتى تتجسد كالصور الماثلة للعيان، ومثل كل شيء بحسب حاله، فالعظائم تمثل بالعظائم، والمحقرات بالمحقرات وذلك لا يشين الكلام، ولا يحط من قدره، وإنما استنكر أمثال القرآن من استنكرها من الحاقدين لأن شأن المبهوت الحائر الذي انقطعت به الأسباب واستعصت عليه الحيل أن يتشبث بأي شيء، شأن الغريق في البحر الذي يمد يده لا إلى شيء غير الأمواج التي ترديه، وأولئك أغرقهم القرآن في خضم بيانه، وأصماهم ببوارق حججه، فلم يجدوا إلا أن يستعوجوا المستقيم، كمن ينكر ضياء الشمس في رابعة النهار، ويحاول أن يلبسها بوهمه رداء أسود ليخفي نورها عن الأبصار:

وليس يصح في الأذهان شيء

إذا احتاج النهار إلى دليل

ومن المفسرين من يقول: إن الآية مرتبطة بقوله: { فلا تجعلوا لله أندادا } وعليه فمعني { إن الله لا يستحى أن يضرب مثلا } لهذه الأنداد بما كان من المحقرات، وسأذكر لكم إن شاء الله رأي صاحب المنار في المثل وارتباط الآية بما قبلها حسب رأيه.

Unknown page