319

[البينة: 8]، وقوله:

ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيهآ أبدا

[الجن: 23] حيث قرن الخلود بالتأبيد في الموضعين، ومثل ذلك ما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الصريحة في خلود أهل الدارين فيهما، ومهما يكن الأصل في معنى الخلد فإن خلود الأبرار في الجنة والفجار في النار خلود أبدي للإجماع على بقاء الدارين، والأدلة القاضية على أن حياة سكانهما حياة أبدية، وخالفت في هذا طائفتان:

أولاهما الجهمية، مستندين في ذلك إلى شبهتين:

الأولى أن دوام المخلوقين مناف لاتصاف الله بالآخرية، فإن من أسماء الله الأول والآخر، ومعنى أوليته سبقه على كل موجود، وهكذا يلزم أن يكون معنى آخريته بقاؤه بعد كل موجود.

الثانية: أن أنفاس أهل الدارين إما أن تكون معلومة له تعالى وذلك يعني أنها محصورة، وحصرها لا يتفق مع دوامهم، وإما أن تكون غير معلومة وهو لا يتفق مع وصفه أنه بكل شيء عليم.

وأجيب عن الأولى بأن دوام حياة المخلوقين في الدار الآخرة لا ينافي آخريته تعالى، لاختلاف دوامهم عن دوامه، فإن دوامه ذاتي، ودوامهم بإدامته إياهم، فلذلك كان حقيقا بصفة الآخرية دونهم؛ وعن الثانية أن استمرار أنفاسهم لا ينافي إحاطة علمه سبحانه بها، فإن علمه علم ذاتي ليس كعلم المخلوقين ولا يصح أن يقاس عليه.

ثانيتهما: أصحاب النظرة المادية القائلون بتعذر بقاء الأجسام، لأنها مؤلفة من الأجزاء المتضادة في الكيفية، فهي معرضة للاستحالات المؤدية إلى الإنحلال.

وأجيب: بأن كونه تعالى قديرا على كل شيء ينفي هذا الإشكال من أصله، إذ ليس ببعيد أن يعيد الأبدان بطبيعة أخرى لا تتحلل معها، أو أن يجعلها كلما تحلل منها شيء عوضت عنه ببديل عنه.

ومن أيقن أن الله قدير على كل شيء تضاءلت هذه الشبهة أمام ناظريه حتى تتلاشى، فإن الله الذي ركب الأجسام في هذه الدنيا من الأجزاء المتضادة قادر على تركيبها يوم القيامة غير متضادة، ولا يقاس ما في عالم الغيب على ما في عالم الشهود، ولا البقاء المطلق على البقاء المحدود، فإن الله يطبع كل شيء بما يتلاءم مع ما أراده له، وللدار الآخرة طبائع تكوينية تختلف تمام الاختلاف عن الطبائع المشاهدة المألوفة وما يدرينا لعل المتضاد في الدنيا يكون غير متضاد يوم القيامة.

Unknown page