318

الخلود أبدي في الحياة الأخروية:

وبما أن النعمة وإن كملت، واللذة وإن تناهت - إن لم يأمن صاحبهما زوالهما كان ذلك من أشد المنغصات عليه - جيء هنا بما يستأصل هذا الخوف وهو إثبات خلودهم في الجنة ونعيمها، فالحياة الأخروية لا انقطاع لها، ولا يكدر أمنها خوف، ولا يهدد شبابها هرم، ولا صحتها سقم، ولا غناها فقر، ولا نعيمها بؤس، والخلد يطلق على المكث الدائم الذي لا ينقطع، وهو معنى قوله تعالى:

وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون

[الأنبياء: 34]، وهو المراد في هذه الآية ونظائرها من آيات الوعد والوعيد، روى ابن جرير وابن اسحاق، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله { وهم فيها خالدون } أي خالدون أبدا، يخبرهم أن الثواب بالخير والشر مقيم على أهله أبدا لا انقطاع له، وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله { وهم فيها خالدون } يعني لا يموتون، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" يدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار ثم يقوم مؤذن بينهم يا أهل النار لا موت، ويا أهل الجنة لا موت، كل هو خالد فيما هو فيه "

، ومثله عن أبي هريرة عند البخاري، وعن معا ذ عند الطبراني والحاكم وصححه، وأخرج الطبراني وابن مردويه وأبو نعيم من حديث ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لو قيل لأهل النار إنكم ماكثون في النار عدد كل حصاة في الدنيا لفرحوا بها، ولو قيل لأهل الجنة إنكم ماكثون عدد كل حصاة لحزنوا، ولكن جعل لهم الأبد ".

ويطلق الخلد على المكث الطويل من غير دوام، وهو وارد في كلام العرب نثره وشعره، واختلف فيم هو الأصل؟

فذهب الزمخشري، وابن عطية، والقرطبي، والشوكاني إلى أن الخلد موضوع للدوام الأبدي، واستعماله في غيره مجاز، وذهب الفخر الرازي وأبو حيان، وأبو السعود، وقطب الأئمة إلى أنه موضوع للمكث الطويل مع غض النظر عن دوامه أو انقطاعه، وعليه فهو من باب المشترك الذي يتعين ما يراد به بالقرينة الدالة عليه، وجعل هؤلاء دوام الثواب والعقاب بالدلائل الأخرى من الكتاب والسنة غير لفظة الخلود، نحو قوله تعالى في الذين آمنوا وعملوا الصالحات:

جزآؤهم عند ربهم جنات عدن تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيهآ أبدا

Unknown page