Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا
[آل عمران: 168]، أي وقد قعدوا، وقيل: هي للتذييل الذي يراد به التقرير والتأكيد، كما في قوله عز وجل:
وكذلك يفعلون
[النمل: 34] بعد أن حكى عن بلقيس قولها:
إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلهآ أذلة
[النمل: 34]، وقيل هي صفة ثالثة لجنات، ويضعفه عدم وجود الرابط بين الصفة والموصوف.
ومن حيث إن الطبيعة الإنسانية لذتها في المسكن البهي، والمطعم الشهي، والمنكح الوضي، وقد ذكر الأول في قوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار } والثاني في قوله: { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها } جيء بعدهما بوصف الثالث في قوله: { ولهم فيهآ أزواج مطهرة } ، ويراد به أنهن منزهات من جميع الأدناس الحسية والمعنوية مما يكون في الدنيا خاصا بالنساء أو مشتركا بينهن وبين الرجال، فجميع الأقذار التي تفرزها الطبيعة في نساء الدنيا، أو فيهن وفي رجالها نزهت منها نساء الآخرة، وكذلك ما يكون من لؤم الطباع مما تعد قذارته معنوية كالغل والكيد والحسد، نزه الله تعالى منه نساء الآخرة، سواء كن من الصالحات في الدنيا كما روي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في تفسير الأزواج هنا، أو كن من الحور العين كما قال غيره، والظاهر أن المراد بالأزواج هنا ما يعم النوعين لكمال أنس المؤمنين بهما معا، ولتبرئة الله سبحانه الصالحات من نساء الدنيا في الجنة من كل العيوب الجسدية والنفسية، وذلك تطهير لهن مما كن متلوثات به في الدنيا.
وأما اللاتي ينشأن هناك فتنشئتهن من أول الأمر مطبوعة طبع السلامة من هذه العيوب، وجاءت أحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان أحوال نساء الجنة منها الصحيح ومنها الحسن، ومنها دون ذلك، وهي صريحة في أن الاتصال بين الزوجين يتم يوم القيامة على نحو ما يكون في الدنيا، وإن كان أكمل في اللذة وأبعد من الأذى.
وتوقف الإمام محمد عبده - كعادته في الأمور الغيبية - عن تفسير الحكمة المطلوبة من الحياة الزوجية في الآخرة، نظرا إلى أن الحكمة المطلوبة من الزواج في الدنيا هي التناسل وإنماء النوع؛ مع عدم ورود أن في الآخرة تناسلا، وبناء على ذلك يرى أن لذة المصاحبة الزوجية هناك أعلى، وحكمتها أسمى يؤمن بها ولا يبحث عن حقيقتها.
والحق أن الحكمة في ذلك معروفة، وهي لذة الاتصال بين الجنسين كما صرحت به الأحاديث النبوية، وأومت إليه الآيات القرآنية، والإنسان يوم القيامة لا يتحول عن إنسانيته، وقد وفر الله لعباده المؤمنين في دار كرامته جميع ما تتوق إليه أنفسهم في الدنيا من متع الحياة ونعيمها، فما يؤتونه في الدنيا إنما هو بقدر هذه الحياة المحدودة، وبقدر طبيعتها المقيدة التي تختلف تمام الاختلاف عن طبيعة الحياة الأخروية المطلقة، فالفارق بين لذات الدارين كالفارق بين البقاء فيهما.
Unknown page