Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
ووجه ابن عاشور هذا الاتحاد في أشكال فواكه الجنة مع اختلافها في الدنيا؛ بأن الاختلاف في هذه الدار ناشئ من اختلاف الأمزجة والتراكيب بخلاف موجودات الآخرة فإنها عناصر الأشياء فلا يعتورها الشكل وإنما يجيء في شكل واحد وهو الشكل العنصري ويحتمل أن ذلك لتعجيبهم والشيء العجيب لذيذ الوقع عند النفوس ولذلك يرغب الناس في مشاهدة العجائب والنوادر ثم قال: " وهذا الاحتمال هو الأظهر من السياق ".
وأصحاب هذا القول يضعفون القول الأول لبعد أن يقصدوا بقولهم { هذا الذي رزقنا من قبل } ثمار الدنيا كلما تكرر رزقهم وأن لا يعتادوا هذا النعيم الأخروي بحيث ينظرونه بما تقدم في الدنيا ويحملون هذا التكرار على ما بعد المرة الأولى من دخولهم الجنة، وتخصيص تلك المرة مفهوم من القرائن.
تنوع نعيم الجنة:
والظاهر أن ثمار الجنة متنوعة كما تفيده الأحاديث وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: { فيهما من كل فاكهة زوجان } وإنما كل جنس من الفاكهة يختلف طعمه بين مرة وأخرى، فإن اختلاف طعوم الفاكهة الواحدة أدعى إلى الاستغراب وأكثر متعة من اتحاد جميع الفواكه في الشكل مع اختلافها في المذاق، وبهذا يتبين المراد من قولهم: هذا الذي رزقنا من قبل فإنهم كلما أتوا بفاكهة وجدوها من حيث الشكل قريبة مما رزقوه من نوعها من قبل فإذا أكلوها وجدوا لها طعما آخر أما أن يرددوا في كل مرة تشبيه ما يؤتونه بما رزقوه في الدنيا فبعيد، لما تقدم من عدم إحاطة أحد بجميع فواكه الدنيا، لأن الله لم يجعل كل جزء من أرضها صالحا لنبت كل الفواكه، وإنما جعل أجزاءها مختلفة النباتات بحسب اختلاف المناخ ولأنهم إذا حسبوا - أول مرة يرزقون فيها من فاكهة الجنة - أنها مثل فاكهة الدنيا ثم أدركوا ما بينهما من تفاوت فليس من المعقول أن يعودوا فيما بعدها إلى ترداد هذا القول، فإذا أعيدت إليهم تلك الفاكهة نفسها علموا التفاوت بتجربتهم السابقة وان أوتوا غيرها علموه بالقياس على ما سبق من تجربة.
وقيل: مرادهم بقولهم { هذا الذي رزقنا من قبل } هذا الذي وعدنا في دار الدنيا بأن نرزقه في الآخرة، وهو بعيد، وقيل: مرادهم به ما وفقوا له من الأعمال الصالحة في الدنيا فكانت سببا لهذا الجزاء في الجنة، ولا يخفى ما فيه من التعسف، وقد عده قطب الأئمة رحمه الله من غلو المتصوفة الذين يحملون ألفاظ القرآن ما لا تتحمله من المعاني.
وفسر الحسن وقتادة التشابه بكونه خيار لا رذل فيه، رواه عنهما ابن جرير وعبد بن حميد، ومعنى ذلك أن ما يكون في فواكه الدنيا من التفاوت بين جيدها ورديئها لا يكون مثله في فواكه الجنة، فهي كلها جيدة لا رديء فيها، وهو ظاهر، وقيل: يراد بالتشابه تشابه أسماء فواكه الجنة وفواكه الدنيا دون مسمياتها، لما رواه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما: " ليس في الدنيا مما في الجنة شيء إلا الأسماء " ويبعده أن الظاهر من التشابه في الآية تشابه الذوات لا الأسماء، وذهب الزمخشري إلى أن المراد به تشابه المرزوق في الدارين، وبه قال الفخر الرازي، وأبو السعود، والألوسي، وقطب الأئمة، واستشكل ذلك أبو حيان لأن الحديث عن رزق الجنة، ولأن الضمير في قوله " به " مفرد فلا يصح أن يكون عائدا إلى المرزوقين، وأجاب عن ذلك الألوسي في روح المعاني، وقطب الأئمة في الهيميان بأنه من باب الكناية الإيمائية، ويعنيان بذلك أن الحديث وإن كان خاصا برزق الجنة إلا أن اقترانه بعروض الإشارة إلى رزق الدنيا هو الذي سوغ رجوع الضمير إليهما معا، وقولهم هذا مبني على ما تقدم، من أن المراد بما رزقوه من قبل ما أوتوه في الدنيا، وقد علمت ما فيه من الضعف، ولو سلم أن ذلك صحيح فيستبعد جدا - كما قال أبو حيان - أن يعود الضمير إلى رزقي الدنيا والآخرة مع أن الحديث عن رزق الآخرة.
ولسائر المفسرين أقوال أخرى في هذا التشابه، منهم من قال هو في اللون فقط، ومنهم من قال هو في الشكل، ومنهم من قال في أحدهما وفي الطعم، ومنهم من قال هو فيهما معا، وهي أقوال ليس عليها من دليل، وقد علمت ما هو الراجح.
والظاهر أن جملة { وأتوا به متشابها } حال من { قالوا } مفيدة لسبب هذا القول، واعتبارها حالية يستلزم إضمار قد، ونحوه كثير في القرآن، نحو
كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا
[البقرة: 28] أي وقد كنتم، وقوله:
Unknown page