315

فإن الجحيم هي المأوى

[النازعات: 39]، وإنما أراد أن الإضافة واللام متعاقبتان هنا، وليس ذلك صالحا في كل موضع، ورأى ابن عاشور أن مذهب الكوفيين مقبول، وأنهم لم يريدوا إلا بيان حاصل المعنى من ذلك التعريف، فإن تقدير المضاف إليه هو الذي جعل المضاف المذكور كالمعهود، فأدخلت عليه لام التعريف العهدي، غير أنه اختار كون الداعي إلى تعريف الأنهار التفنن لسبق تنكير جنات.

وجملة { تجري من تحتها الأنهار } وصف لجنات، و { كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا } وصف ثان، ويجوز أن يكون استئنافا بيانيا لبيان حالهم في هذه الجنات، لأن ذكر الجنات مشعر بالثمار، فيمكن للسامعين أن يتساءلوا كيف طريقة انتفاعهم بثمارها؟ فيجابوا بذلك، وجوز الزمخشري وعدد كبير من المفسرين أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره هم كلما رزقوا منها.. الخ، أو هي، وضعف قطب الأئمة رحمه الله في الهيميان تقدير المبتدأ لتمام المعنى بدونه، ولأن الزمان لا يخبر به عن اسم العين، فلا يقال محمد يوم الجمعة، بخلاف اسم المعنى نحو الصوم يوم الجمعة مثلا، ومن الواضح أن ل { كلما } حكم ظرف الزمان لأن إضافة " كل " الدالة على العموم إلى " ما " المصدرية الظرفية يقتضي استغراق الأزمان المقيدة بصلة " ما " ، وذلك لا ينافي شرطية كلما، ككثير من الظروف التي تستمد الشرطية بإضافتها إلى " ما " نحو " حيثما " ، وأجاز القطب أن تكون هذه الجملة حالا من جنات، وهو ضعيف جدا لما تقرر عند علماء الإعراب من أن الجمل بعد النكرات صفات، وإنما تكون أحوالا بعد المعارف.

وللقائلين بتقدير المبتدأ أن يقولوا إن الظرف ليس وحده هو الخبر وإنما الخبر هو الجملة بتمامها، وفيها ما يصلح وحده - لو أفرد - أن يكون خبرا وهو { قالوا }.

و " من " في الموضعين لابتداء الغاية وجوز أن تكون للبيان فيهما، وجوز الزمخشري أن تكون في قوله { من ثمرة } واردة على طريق قولهم رأيت منك أسدا، وهو من باب التجريد.

والظاهر أن { من ثمرة } بدل من قوله { منها } لجواز قول القائل: أكلت من حديقة فلان من تفاحها أو من رمانها، وهو بدل بعض من كل، ويجوز أن يكون بدل اشتمال و { رزقا } مفعول ثان لرزقوا وليس مفعولا مطلقا كما قال بعض المفسرين.

و { قالوا } جواب للشرط المفهوم من { كلما } ومعنى ذلك أنهم إذا جيئوا بشيء من فاكهتها ظنوه هو عين ما رزقوه من قبل؛ لما بين شكليهما من التشابه، ومرادهم ما رزقوه من قبل في الحياة الدنيا، حسبما روى ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وآخرين من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ورواه عبد بن حميد عن علي بن زيد وقتادة ورجحه ابن جرير والزمخشري ويعني ذلك أن ثمار الجنة شبيهة بثمار الدنيا من حيث الأشكال وإن تباينت في لذاتها.

وعلل الزمخشري هذا التشابه بأن الإنسان آنس بمألوفه وأميل إلى معهوده، فإذا رأى ما لم يألف ربما نفر عنه طبعه وعافته نفسه، ولأنه ربما إذا رزق شيئا من جنس ما كان له به عهد، ورأى فيه مزية ظاهرة بالتفاوت بينه وبين ما سبق له به العهد، ضاعف ذلك ابتهاجه واستثار استغرابه واستعجابه، وأدرك حقيقة النعمة فيه، وتحقق مقدار النعمة به، بخلاف ما إذا كان جنسا غير معهود له فإنه ربما يحسبه أن ذلك الجنس لا يكون إلا بذلك المقدار، فلا يدرك عظم النعمة به تمام الإدراك، فإذا رأى أحدا رمانة في الجنة تشبع السكن وقد عهد جنسها في الدنيا لا يتجاوز أكبره حد البطيخة الصغيرة، ورأى النبق في دار الجزاء كقلال هجر، وقد عهد جنسه في الدنيا لا يتجاوز حجمه الفلكة، ونحو ذلك إذا ما رأى الشجرة في الجنة يسير الراكب في ظلها مائة عام وهو لا يقطعه مع ما عهده من مقادير أشجار الدنيا، كان ذلك أعمق لسروره وأبلغ في استغرابه مما لو لم يتقدم له بجنس ذلك عهد.

واستدل ابن جرير لصحة هذا المذهب بما يدل عليه قوله: { كلما رزقوا منها } من تكرار هذا القول منهم بتكرر رزقهم، وصدقه على أول مرة يؤتون فيها بهذا الرزق، إذ لو كان المراد بقولهم { هذا الذي رزقنا من قبل } ما تقدم لهم من رزقهم بثمار الجنة لم يصدق ذلك على المرة الأولى، فإنهم فيها غير عاهدين شيئا من ثمارها، وإنما عهدهم بثمار الدنيا، وعليه فالمضاف إليه الذي قطعت عنه { قبل } هو دخول الجنة، وأما تكرر هذا القول منهم بعد المرة الأولى من دخولها؛ فقد حمله الزمخشري على فرط استغرابهم مما يرون.

وذهب فريق إلى أن المراد بقولهم { هذا الذي رزقنا من قبل } قبل تلك المدة منذ دخولهم الجنة، وهو يعني تشابه ثمار الجنة، وقد أخرج ذلك ابن جرير وابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي كثير وعضد بقوله تعالى: { وأتوا به متشابها } وقد روى معنى ذلك ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما من الصحابة، إذ فسروه أنه متشابه في اللون والمرأى مع اختلافه في الطعم، وأيد بأن السعيد الذي يرزق من ثمار الجنة لا يلزم - بل لا يمكن عادة - أن يكون على علم في الدنيا بجميع صنوف فواكهها، مع أن الله تعالى يقول في وصف الجنتين: { فيهما من كل فاكهة زوجان }.

Unknown page