314

وقد تردد ابن عطية بين هذين القولين، فبينما هو يقول: " والأنهار المياه في مجاريها المتطاولة الواسعة " ، إذا به يقول بعد بضعة أسطر " ونسب الجري إلى النهر وإنما يجري الماء وحده تجوزا " كما قال: { واسأل القرية.. } فتراه بنى كلامه الأول على رأي والأخير على آخر، وقد تعجب أبو حيان من هذا التعارض بين عبارتيه، وهو حري بأن يتعجب منه.

وجريان الماء بين المروج الخضراء مما يضاعف بهجة النفس وقرة العين، وسرور الخاطر، فما بالك إذا كانت المروج - من حسن الشكل وبديع المنظر - بحيث لم تر مثل حسنها عين، ولا يتصور جمالها خيال، وكانت المياه تنساب على تراب المسك والكافور، وتتدفق على أحجار الدر والياقوت، فإنها دار الخلود التي يصف الله تعالى ما فيها بقوله: { فلا تعلم نفس مآ أخفي لهم من قرة أعين جزآء بما كانوا يعملون } ، وفي الحديث القدسي:

" أعددت لعبادي ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر "

، وذكر أن أنهار الجنة تجري مطردة في غير أخاديد، وذلك مما يضاعف بهجة النفوس بها، وسرور الخاطر برونقها.

ومما يستغرب منه توقف الإمام محمد عبده عن تفسير حقيقتي الجنة والنار؛ هل هما بمعناهما المفهوم عند الناس، أو أن لهما حقيقة غير ما يتصور، وبنى عليه جواز أن يكون ذكر الأنهار ترشيحا للجنات التي أريد بها التشبيه، وحاصل كلامه أنه من المحتمل أن يكون المراد بالأنهار غير المعنى المتبادر، وأن لا تكون هناك جنات ولا أنهار بحسب معناها المفهوم عندنا ، وأن يكون ما هناك حقيقة أخرى شبهت بالجنات والأنهار، وتعقبه السيد رشيد رضا بأنه لو لم يرد في هذا المقام إلا ذكر الجنة أو الجنات لوجب التفويض وامتنع الترجيح، أما وقد ذكر في آيات أخرى أنواع من الشجر المثمر والثمرات فقد تعين ترجيح الشق الثاني وإلا كنا هربنا فيما يتعلق بعالم الغيب من معاني الألفاظ إلى تأويلات الباطنية المعطلين للحقائق الظاهرة التي تدل عليها الألفاظ.

ومن فضل الله على عباده أن جعل مثوبتهم في الدار الآخرة من جنس ما ألفوه في الدنيا من صنوف النعم وأنواع الملذات، فإن النفس البشرية إلى مألوفها أميل، وفي معروفها أرغب، والإنسان بمروره بالدنيا يكتسب معارف جمة تتعلق بشئون الحياة، فإذا شوق إلى ما عهده فيها مما يميل إليه طبعه، وترغب فيه نفسه كان ذلك أسرع في التأثير عليه مما لو كان تشويقه إلى ما لم يعهد له مثيلا. هذا مع التفاوت الكبير والبون الشاسع بين نعيم الدنيا وملذاتها، وما أعده الله سبحانه في الدار الآخرة للمتقين من جنس هذا النعيم وصنوف تلك الملذات، فما في الدنيا لا يعد شيئا بجانب ما في الآخرة { وما عند الله خير وأبقى }.

وجريان الأنهار من تحتها هو انسيابها تحت تلك الأشجار الباسقة الزاهية، وتدفقها تحت قصورها البهية العالية.

والظاهر أن " أل " في الأنهار للجنس، وقيل إنها للعهد، والمعهود ما سبق من وصفها في سورة القتال، وذلك قوله تعالى:

فيهآ أنهار من مآء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى

[القتال: 15]، وهو مبني على أن آية القتال نزلت بمكة، ولست أدري ما هو دليلهم على ذلك، فإن جل أئمة التفسير يقولون إن سورة القتال نزلت بالمدينة، وذلك واضح من نفس السورة، على أن أكثر الآيات المكية الواصفة للجنة وأنهارها ذكرت فيها الأنهار معرفة، وجوز الزمخشري أن تكون " أل " سادة مسد الإضافة، فيراد بها أنهارها، وأورد عليه بأنه مذهب كوفي، وتعقب ابن عاشور هذا الإيراد بأن الزمخشري لم يرد أن " أل " عوض عن المضاف إليه، فإنه بنفسه قد أباه في تفسير قوله تعالى:

Unknown page