Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
من النواضح تسقي جنة سحقا
فإن مراده بالجنة النخل، ومن العلماء من ذهب إلى أن اسم الجنة لنفس الشجر لا للأرض ذات الشجر.
وفي تشويق الله سبحانه وتعالى إلى الدار التي أعدها للأبرار يوم القيامة، وتسميتها جنات تنويه بقيمة النباتات وعظم نفعها، ففي تلك الدار قصور شامخة لا يتصور العقل علوها، غير أن الله سبحانه لم يسمها المدينة أو نحوه من الأسماء الدالة على المباني، وإنما سماها جنة، وهذا لأن كل شيء يألف ما كان إلى جنسه أقرب، ويشتاق ما كان إلى وصفه أدنى، والإنسان والنبات مشتركان في الحياة وإن اختلف نوع الحياتين، بعكس المباني فإنها وإن راقت للعين بزخرفها وأبهجت النفس بتشكيلها لا تجامعهما في صفة الحياة، وبجانب ذلك فإن تنوع النباتات واختلاف صنوف الشجر مما يزيد النفس سرورا والعين قرارا، فلذلك خصت دار الثواب بهذا الاسم، وهي ذات مراتب متفاوتة تفاوت أصحابها في الأعمال.
والجريان سرعة سيلان الماء ويطلق على العدو السريع من الإنسان وغيره، ورأي العلامة ابن عاشور أنه موضوع للعدو السريع، وأن إطلاقه على سيلان الماء مجاز، والشائع خلاف ما قال.
والأنهار جمع نهر - بالتحريك - وهي اللغة الفصحى، وقد تسكن الهاء، ويدل على فصاحة التحريك، قوله تعالى:
في جنات ونهر
[القمر: 54]، ويلائمه الجمع على أنهار، لأن أفعالا جمع لكل اسم ثلاثي إلا ما كان مفتوح الفاء ساكن العين، فيجمع على أفعل كأنهر، ولم تأت هذه الصيغة في القرآن، وكفى بذلك دليلا على رجحان التحريك.
وأصل النهر السعة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم:
" ما أنهر الدم "
أي وسع الجرح حتى أسال الدم، وسمي به المجرى الواسع للماء، وهو فوق الجدول ودون البحر، ومنهم من يرى أنه الماء الجاري نفسه، وعلى الأول فإسناد الجريان إليه من باب المجاز العقلي للملابسة بين الماء ومجراه، ويجوز أن يكون من باب المجاز اللغوي والعلاقة إطلاق اسم المحل على الحال، وعلى الثاني فالإسناد حقيقي.
Unknown page