312

كيف الهجاء وما تنفك صالحة

من آل لام بظهر الغيب تأتيني

وتصدق الصالحات على كل ما يطلب فعله سواء كان طلبه جازما - وهو الواجب - أو غير جازم - وهو المندوب - وكذلك اجتناب المنهيات - إذا عد من عمل الصالحات - يدخل فيه ما كان النهي عنه جازما - وهو المحرم - أو غير جازم - وهو المكروه - ودخول المندوبات والمكروهات في ذلك بطريق التبعية.

والتعريف في الصالحات للجنس لعدم قصد صالحات معينة، اللهم إلا أن يراد بها ما سبق التنويه به من صفات المؤمنين فيما أنزل قبل من السور، كقوله تعالى في سورة المؤمنون: { قد أفلح المؤمنون.. } إلى {.. أولئك هم الوارثون } ، وقوله في سورة المعارج { إلا المصلين.. } إلى {.. أولئك في جنات مكرمون } ، وقوله في سورة الفرقان { وعباد الرحمن.. } إلى {.. أولئك يجزون الغرفة } ، وبناء على أنه للجنس فالمراد بها ماهية الأعمال الصالحة، وتصدق على الواحد فصاعدا إن كان اللفظ الدال عليها مفردا، وعلى الثلاثة فأكثر إن كان جمعا كما في هذه الآية، وليس من المعقول أن يستوعب الإنسان الواحد صالحات الأعمال على اختلافها؛ لعجز الطاقة البشرية عن استيعابها، كما أنه ليس من المعقول أن يكتفي منها بثلاثة أعمال فحسب، وإنما تختلف الواجبات باختلاف أحوال المكلفين، فمن البدهي أن تراعى الفوارق بين حالات الغنى والفقر، والسعة والضيق، والسفر والحضر كما تراعى فوارق الذكورة والأنوثة، فالتكاليف تختلف باختلاف هذه الأحوال جميعها، فالغني ينوء بما لا ينوء به الفقير منها، وكل من الرجل والمرأة مخصوص بتكاليف معينة بحسب نوعهما، فوق التكاليف العامة التي يشتركان فيها، وهكذا يقال في الحاضر والمسافر، وهلم جرا، وإنما مصدر بيان هذا كله الشريعة الغراء التي نزل بها الكتاب العزيز، ووردت بها السنة المطهرة، ولا يحكم على العمل بالصلاح أو غيره إلا بمقاييسها، وهي بحمد الله جامعة لحكم كل شيء إما تفصيلا وإما إجمالا، والجزئيات غير المنصوص عليها تستفاد أحكامها بالرجوع إلى القواعد العامة، ولا دخل للعقول والعادات والأعراف في شيء من ذلك.

الشريعة ميزان الأعمال:

ولا ريب أن الفطرة السليمة تهدي إلى الخير وتدعو إلى الصالحات غير أنها لا تكفي لأن تكون مصدر الأحكام، وموئل الاحتكام، لأنها كثيرا ما تتأثر بالمؤثرات المختلفة، ومن هنا كان اتصال الإنسان بخالقه تعالى لا يكون إلا بطريق ما شرعه من الأحكام بوحيه المنزل، ولذا لم يوكل الناس إلى عقولهم في تمييز الخير من الشر، والنفع من الضر، فقد يستحسن عقل ما يستهجنه آخر، وتستسيغ فطرة ما تأباه فطرة أخرى، وهذا لتأثير العوامل التربوية والاجتماعية والشخصية على نفوس الناس، وكثيرا ما تكون البيئة عاملا مهما من هذه العوامل، ومن ثم تختلف أحوال مجتمعات الناس في استحسان الأمور واستقباحها، ولأجل ذلك كان ميزان الأعمال الذي يفرز الصالح من غيره هو كتاب الله وسنة رسوله عليه أفضل الصلاة والسلام.

ورويت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومن بعدهم من مفسري التابعين أقوال في المراد بالصالحات، منهم من قال إنها الإخلاص، ومنهم من ذهب إلى أنها الجمع بين العلم والنية، والصبر والإخلاص، وذهب بعضهم إلى أنها الصلوات الخمس، وقال آخرون هي الأمانة، وذهبت طائفة إلى أنها التوبة، ولا تعد هذه آراء مختلفة، وإنما ذلك كله من أمثلة الأعمال الصالحة، وقد تكرر في هذا التفسير عدم اعتبار مثل هذا خلافا، وإنما كانت تختلف إجابات الصحابة وغيرهم باختلاف أحوال السائلين أو السامعين، فتارة يكون اللائق بالمقام الحض على الصلوات الخمس لتهاون السائل أو المستمع بها، وتارة يكون الأجدر الحث على الأمانة للتقصير فيها، وتارة تدعو الحال إلى التذكير بالإخلاص أو بالتوبة، وتفسيرنا للصالحات بأنها ما وافق الكتاب والسنة يجمع جميع ما قالوه.

وهذا التبشير إنما هو للمؤمنين حقا الذين انعكس إيمانهم على أعمالهم، فلا يأتون شيئا ولا يذرونه إلا بحسب تعاليم الحق التي نزل بها الكتاب المبين، وفصلها الرسول الأمين صلوات الله وسلامه عليه، وبيان استحقاقهم هذا الثواب لم يكن إلا من طريق الوحي، إذ لا دخل للعقول في مثل ذلك خلافا للمعتزلة القائلين بأن الوحي لا يكون إلا مؤكدا لما يدل عليه العقل، وأن مثوبة الله لعباده واجبة عليه لهم إن قاموا بما فرضه عليهم من الأعمال، والحق أن المثوبة ليست إلا محض فضل من الله، وأن طاعة العبد لربه واجبة على أي حال، ولو لم تكن تترتب عليها مثوبة، وليست موجبة على الله تعالى شيئا، فالله يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد، وبحسب الإنسان هذه الآلاء التي يسبح في خضمها منذ بداية نشأته وإلى انتقاله إلى الدار الآخرة، داعيا ملحا إلى استنفاد الجهد واستفراغ الطاقة في طاعته تعالى، ولو أن نعمة من أبسط هذه النعم قوبلت بأعمال الناسك الأواب الذي وقف حياته كلها على عبادة ربه، ولم يترك شيئا مما في وسعه من الطاعات إلا فعله، ولا شيئا من المنهيات إلا جانبه لذهبت تلك النعمة بهذه الأعمال كلها، فما بالك بهذا البحر الواسع من النعم، مع أن التوفيق لصالحات الأعمال هو نفسه من أجل الآلاء وأوسع المنن بحيث لا يمكن لإنسان أن يفي بشكره على أي حال.

والجنات جمع جنة وهي الحديقة ذات الشجر الملتف بعضه على بعض مأخوذة من جن بمعنى ستر، لأن شجرها ساتر لأرضها ولمن كان داخله، واشتقاقات هذه الكلمة كلها دالة على الستر كالجنون والجنين والجن والجنان، فالجنون ساتر للعقل، وسائرها مستورة، وتطلق الجنة على الشجر نفسه، كقول زهير:

كأن عيني في غربي مقتلة

Unknown page