Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
يوسف أعرض عن هذا واستغفري لذنبك
[يوسف: 29]، فإن القرينة هنا ما دخل على الأمر الثاني من علامة التأنيث، ومثله التفاوت بين الأمرين هنا، فأولهما جاء بصيغة الجمع، وثانيهما بصيغة الإفراد، وذلك كاف في الدلالة على ما يراد بكل منهما.
ومن التكلف الظاهر تجويز السكاكي في المفتاح كون { بشر } معطوفا على قل مقدر قبل { ياأيها الناس اعبدوا } ، ومثله قول القزويني في الإيضاح أنه معطوف على أنذر مقدر بعد { أعدت للكافرين } أي فأنذر الذين كفروا، وبشر الذين آمنوا، ولست أدري ما الداعي إلى حمل القرآن على هذه المسالك الملتوية مع وضوح الوجه الأول الذي قاله الزمخشري، وعدم تعذر الوجه الثاني وإن ذهب السيد الجرجاني إلى أن مذهب القزويني أصح المذاهب بعد الوجه الأول مما في الكشاف.
والتبشير الإخبار عن المحبوب، فهو مضاد للإنذار، واشترط بعضهم عدم علم المبشر بالنبأ السار الذي يبشر به، وهو الذي اعتمده الزمخشري، وعليه فمن حدث أحدا حديثا يسره، والمحدث عارف به فهو إخبار وليس بتبشير، والصحيح أنه تبشير على كلا الحالين، لأن الله سبحانه أمر نبيه صلى الله عليه وسلم هنا أن يبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالجنات ونعيمها، مع أنه تقدم في القرآن المكي تبشيرهم بذلك، فهم ليسوا على جهل بما به يبشرون، وإنما يزدادون بتجديد التبشير نشاطا في السعي إلى الخير، وتوقيا من الوقوع في المهلكات.
وقد سبق الكلام في الإيمان وبيان أن ماهيته الشرعية تشمل الأعمال الصالحة التي يقتضيها توحيد الله تعالى، وهو الذي حكى العلامة ابن تيمية - كغيره - إجماع السلف عليه، وروى أبو القاسم اللالكائي عن البخاري أنه اجتمع بنحو ألف من أئمة السلف فلم يكونوا يختلفون في ذلك، ومع هذا فإن جل المفسرين استدلوا بعطف العمل الصالح على الإيمان على تغايرهما، لعدم جواز عطف الشيء على نفسه، وأرى أن الأقرب إلى ما تقتضيه الأدلة القرآنية والحديثية ما أفاده الإمام ابن تيمية، وهو أن الإيمان إذا أطلق فمدلوله العقيدة والعمل معا، وإذا عطف عليه العمل كما في هذه الآية فيحتمل أن يكون من باب عطف الخاص على العام، وأن يكون المراد به العقيدة وحدها، كما أن المسكين والفقير إذا أفرد أحدهما كانا صنفا واحدا، وإذا عطف أحدهما على الآخر كانا صنفين، ومثله يقال في الألفاظ التي تتحد مدلولاتها كالبر والتقوى والمعروف، وكالإثم والعدوان والمنكر، وهذا لا ينافي أن يكون مقر الإيمان القلب لأن صلاح الجسد متوقف على صلاح القلب، كما في حديث النعمان بن بشير الذي أخرجه البخاري:
" ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ".
والأمر بتبشير المؤمنين يجوز أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم، وأن يكون لكل من يصلح للتبشير، وهذا إذا لم يقصد بالخطاب معين، نحو قوله عليه أفضل الصلاة والسلام:
" بشر المشائين في الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة "
، والوجهان جائزان في كل ما كان مثله في القرآن، كقوله تعالى:
نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم
Unknown page