Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وإنما يترجح القول بأن الجنة والنار قد خلقتا بالأحاديث الصحيحة الناصة على ذلك، وإنما جعلتها مرجحة ولم أجعلها قاطعة لأنها لم تبلغ مبلغ التواتر اليقيني الذي يفيد العلم القطعي لأن قصة آدم عليه السلام وإسكانه الجنة ثم إخراجه عنها؛ لا تفيد إلا الترجيح فقط للخلاف الموجود بين علماء الأمة، هل تلك الجنة هي جنة الخلد أو غيرها؟
وجملة أعدت للكافرين مستأنفة لبيان شأن هذه النار.
[2.25]
مضت سنة الله في خطابه لعباده أن يشفع الترهيب بالترغيب، ويجمع بين الوعد والوعيد لتربية النفس الإنسانية وإيقاظ أحاسيسها بالتشويق تارة، وبالتخويف تارة أخرى، لأن كلا الأمرين حافز إلى فعل الخير، وواق من ارتكاب ضده، والناس متباينون في طبائعهم، فمنهم من هو أسرع تأثرا بالتشويق، ومنهم من يتأثر بالتخويف، ومنهم من يدفعه التشويق إلى المسارعة إلى الخيرات، ويمنعه التخويف من ارتكاب الموبقات، وإصلاح النفس الإنسانية هو المقصد الأساسي للقرآن، فلذلك جاء خطابه بما يتسع لأحوال الناس جميعا.
هذا وذكر إمام المعاني جار الله الزمخشري أن هذا العطف هو عطف جملة ثواب المؤمنين على جملة عقاب الكافرين، والتبس كلامه على أبي حيان الأندلسي فحمله في تفسيره " البحر المحيط " على أن مراده به عطف الجملة على الجملة، وهذا الذي دعا أبا حيان إلى تبرير التعاطف بين الجملتين مع كون المعطوفة إنشائية، والمعطوف عليها خبرية، وبناه على رأي من لا يشترط اتحاد الجملتين في الإنشاء أو الخبر لجواز عطف إحداهما على الأخرى، وأورد شواهده القاضية بصحته، والزمخشري لم يقصد ما فهمه أبو حيان، ولم يرد بالجملة الجملة الإصطلاحية عند علماء العربية، وإنما أراد بها مجموعة من الكلام مشتملة على جمل، وقصده واضح، وقد فصل كلامه تفصيلا السيد الجرجاني بحيث لم يترك أي لبس حوله، فالمعطوف هنا جملة الكلام الخاصة بثواب المؤمنين، والمعطوف عليه جملة الكلام الخاصة بعقاب الكافرين مع غض النظر عما اشتمل عليه كل من المعطوف والمعطوف عليه مما يسمى جملة في الإصطلاح، والتناسب بين المتعاطفين ما بينهما من التقابل، وسمى السيد هذا العطف عطف قصة على قصة، وسبق الحديث عنه في قوله عز وجل: { ومن الناس من يقول آمنا بالله.. } " الآية ".
واختلف من أين تبدأ القصة المعطوف عليها، فذهب السيد الجرجاني إلى أن بدايتها قوله: { وإن كنتم.. } وذكر الألوسي عن بعضهم أنه أقضى لحق البلاغة، وأدعى لتلاؤم النظم لأن بداية الكلام وهي: { ياأيها الناس اعبدوا } شاملة لفريقي المؤمنين وغيرهم، ثم خوطب غير المؤمنين بقوله { وإن كنتم } وهو خطاب يتضمن الإنذار وعطف عليه خطاب المؤمنين بقوله: { وبشر.. } ومعناه البشارة المقابلة لما في خطاب الطائفة الأولى من الإنذار، ومعنى ذلك أن الله سبحانه أوحى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الناس جميعا إلى عبادة الله، ثم أمره أن ينذر المعاندين ويبشر المؤمنين، وذهب السعد التفتازاني إلى أن بدايتها من قوله: { فإن لم تفعلوا } لأن السياق لوصف حال الكفار وبيان منقلبهم، وهذا هو الذي يتلاءم مع ما اخترته من قبل وهو أن الخطاب في قوله: { وإن كنتم } يتوجه إلى جميع الفئات المخاطبة بقوله: { ياأيها الناس } ، وجوز الزمخشري أن يكون العطف على: { اتقوا } واعترض من وجهين:
أولهما: أن العطف يقتضي جواز حلول كل من المعطوف والمعطوف عليه محل الآخر، ولا يجوز حلول بشر مكان اتقوا.
ثانيهما: أن الأمر لا يعطف على أمر آخر مع عدم اتحاد المأمور إلا مصحوبا بالنداء كما نص عليه النحويون.
ويدفع الأول أن المتعاطفين لا يشترط جواز تعاقبهما بحيث يحل المعطوف مكان المعطوف عليه، والدليل عليه قوله تعالى: { الذي خلقكم والذين من قبلكم } ، حيث عطف الاسم البارز - وهو الموصول - على الضمير المتصل، ولا يصح تقديم الموصول وعطف الضمير عليه بالإجماع، وقد ورد نحوه كثيرا في القرآن، وكذا في الكلام العربي الفصيح منثوره ومنظومه، كما يدل عليه قولهم: " رب رجل وأخيه لقيتهما " مع عدم جواز تقديم أخيه على رجل بالإجماع في هذا المثال، لما يترتب عليه من عدم وجود معاد للضمير، ودخول رب على المعرفة وهي لا تدخل إلا على النكرات، وهذا الذي ذكرته يغني عما أجاب به بعضهم من أن كلا من { اتقوا } و { بشر } مترتبان على أمر واحد وهو ظهور معجزة القرآن، وتكذيب المعاندين بها، وتصديق المؤمنين، والتكذيب هو الذي ترتب عليه الوعيد، كما أن التصديق هو الذي ترتب عليه الوعد.
وأجيب عن الثاني بأن جواز عطف أمر على أمر مع اختلاف المأمورين حال النداء؛ لظهور المراد بكلا الأمرين بقرينة النداء، دليل على جواز ذلك عند وضوح المراد بأية قرينة أخرى، ويدل عليه قوله تعالى:
Unknown page