308

[الأنبياء: 98]، وقيل هي حجارة الكبريت لتميزها بين الأحجار بسرعة الاشتعال، وشدة الحرارة، وكثرة الدخان، ونتن الرائحة والالتصاق بالأبدان، وهو قول ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجه ابن جرير، واخرج هو وعبدالرزاق وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني في الكبير، والحاكم وصححه مثله عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وعول عليه جماعة من أهل التفسير بناء على ما تقدم من أن بعضهم يرى أن قول الصحابي في التفسير له حكم الرفع، وهذان الصحابيان الجليلان معدودان في مقدمة الصحابة في فن التفسير، رواية ودراية، وقد سبق أن كثيرا من العلماء يرون مثل هذا القول لا يعدو أن يكون موقوفا على الصحابي المنسوب إليه، ومن ثم عول أصحاب الرأي الأول على ما دلت عليه آية الأنبياء من معنى، وتعضده النصوص الدالة على أن المجرم يعذب يوم القيامة بآلة إجرامه، كقوله تعالى:

والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون

[التوبة: 34 - 35]، وقوله صلى الله عليه وسلم:

" من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في بطنه في نار جهنم خالدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا فيها أبدا.. "

، ويمكن الجمع بين الرأيين بان تلك الحجارة نفسها تتحول إلى حجارة ذات طبع كبريتي، وذكر الناس والحجارة لا ينافي أن يكون لهذه النار وقود غيرهما، فالشياطين ومردة الجن تشتعل بهم كما تشتعل بكفار البشر والعياذ بالله.

وهذه النار إن كانت خاصة بالكفار المشركين فلسائر أهل الكبائر نيران أخرى يعذبون بها، وإن كانت عامة لهم ولغيرهم فقوله: { أعدت للكافرين } ما هو إلا لمزيد التنفير من الكفر والتحذير من الدنو منه، وأي كفر أعظم من كفر الذي يتعامى عن آيات الله، ويتصامم عن دعوته مع ظهور حجتها وإشراق نورها، وإن أعظم حجة على صدق هذا القرآن المنزل من عند الله هذا العجز البشري طوال القرون الخالية عن الإتيان بشيء من مثله، لا سيما في ذلك العصر عندما كان المسلمون قلة مضطهدين، ولم تكن لدى الكفار حيلة لإسكات هذا الصوت إلا اللجوء إلى العنف والارهاب دون معارضته بصوت من مثله.

ولرب قائل يقول: لا يبعد أن يكونوا قاموا بالمعارضة وأتوا بمثل القرآن في روعة بيانه وجمال أسلوبه، وإنما نفوذ المسلمين في العرب هو الذي قضى على ما جاءوا به، وقد سجل التأريخ محاولة مسيلمة وغيره للقيام بهذه المعارضة؛ والجواب عن ذلك أن هذا التحدي لم يكن بعدما كانت أزمة الأمور في جزيرة العرب بأيدي المسلمين، وإنما بدأ بمكة المكرمة والجاهلية في أوج قوتها وعنفوان جبروتها، وكان العرب على اتصال ببعض ممالك الفرس والروم، فلو أنهم جاءوا بشيء مما طولبوا به لطاروا بذلك فرحا ونشروا خبره في الآفاق وسجله التاريخ، وبقي محفوظا لدى الأمم التي كانت تكيد للاسلام وتناوئ القرآن، ولكن شيئا من ذلك لم يكن، أما ما جاء به مسيلمة ونظراؤه فقد كان من السخف بحيث يربأ اللبيب بنفسه عن نسبته إليه، وإذا كانت المعارضة قد تعذرت على قريش وهي ذؤابة العرب، ومنبع البيان، وأساتذة البلاغة، فأحرى بغيرهم أن تتعذر عليه.

وإعداد الشيء تهيئته، والنار مهيأة للكفار بما أعد فيها من صنوف العذاب، وبنفس الإضرام الذي هو أكبر سبب لتعذيبهم، واستدل بالآية على أن النار قد خلقت وهيئت لاستقبال أهلها وكذا الجنة وهو قول جمهور الأمة، وذهب أكثر المعتزلة وبعض أصحابنا كأبي المؤثر وأبي سهل الفارسي وابن أبي نبهان إلى أنهما لم تخلقا إلى الآن وإنما تخلقان يوم القيامة، وعزا ابن عطية هذا القول إلى المنذر بن سعيد البلوطي الأندلسي، وعده سقوطا منه، والمسألة ليست من مسائل الدين القطعية لاحتمال أن يكون قوله: { أعدت للكافرين } ، ومثله في الجنة { أعدت للمتقين } محمولا على الإخبار عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقيق وقوعه، نحو قوله تعالى:

ونفخ في الصور

[يس: 51] وآيات أخرى.

Unknown page