Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وجملة { ولن تفعلوا } معترضة بين الشرط وجوابه، وهي تفيد خبرا غيبيا صدقه الواقع، فقد تعاقبت عند العرب منذ نزول هذه الآية مدارس بيانية متنوعة، وكان من بين تلامذتها كثير ممن أوغل في الإلحاد، وبالغ في محاربة القرآن، غير أنهم لم تحدثهم أنفسهم أن يخوضوا تجربة فيحاولوا إنشاء سورة واحدة من مثل قصار سوره لتثبيت عقيدتهم وتأييد نزعتهم، بل قصرت عزائمهم جميعا عن الطموح إلى ذلك، على أن الوقت الذي نزل فيه القرآن كان زاخرا بأرباب ملكات البيان، فقد بلغت فيه اللغة العربية أوج ارتفاعها، وانتهى طوفان الكلام عند العرب إلى أقصى حده، وكانت عداوة الحق وكره الرسالة الجديدة، والتكذيب بها قد جمعت بين فئاتهم، والتقى عليها كتابيهم ووثنيهم، وقد تعاقدوا بالخناصر، وتشادوا بالعهود على محاربة الله ورسوله، إلا من رحم ربك ممن شرح الله صدره للاسلام، وقليل ما هم في بداية الأمر وكانت آيات التحدي تقرع مسامعهم جميعا، ومع ذلك رضوا لأنفسهم الذلة والخنوع من آثار هزيمتهم في هذا المجال، لأنهم شعروا من أعماق نفوسهم أنهم لو نزلوا حلبة المعارضة لما جاءوا بشيء ما عدا السخ افات التي يربأون بأنفسهم عنها، وسجل التاريخ عليهم هزيمة نكراء لا يعرفون لها نظيرا، ويتضح بهذا أن هذه الجملة الإعتراضية - بجانب إعجاز بيانها - تحتوي على إعجاز خبري أقره التأريخ، وسلم له الحميم والعدو.
وجملة: " فإن لم تفعلوا.. إلى آخره "؛ مفرعة على الشرط وجوابه على الصحيح، وليست فذلكة لما تقدم كما قال الألوسي، فإن المراد فإن عجزتم عن الاتيان بسورة مماثلة لما فيه القرآن، أو حاولتم المعارضة، ولم يمكن لشهدائكم أن يسجلوا لكم بأنكم بلغتم بما أتيتم به شأو القرآن، فأيقنوا أن ما جاءكم حق نازل من عند الله، وأنكم اجترأتم عليه بتكذيب رسوله المؤيد بهذه المعجزة الخالدة، فاتقوا عقابه المعد لأمثالكم من الكفار المكذبين.
وعزا القرطبي إلى جماعة من المفسرين أن في الآية تقديما وتأخيرا، وأن الأصل وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين، ولن تفعلوا فإن لم تفعلوا فاتقوا النار، وفرع عليه عدم تمام الوقف على صادقين، وهو قول مرفوض، لما علمته من أن جملة { ولن تفعلوا } جاءت معترضة في موضع حسن فيه مثل هذا الاعتراض، والتجرؤ على القول بأن في القرآن تقديم ما حقه التأخير أو العكس اجتراء عظيم على من أنزله بحسب هذا الترتيب، لأن تقديم ما حقه التأخير لا يصدر إلا ممن يعييه ترتيب الكلمات أو الجمل بحسب ما تقتضيه معانيها، وهو عجز لا تصح نسبته إلى الله، ومن نسبه إليه فقد كفر والعياذ بالله، وما أشبه هذا الذي عزاه القرطبي إلى جماعة من المفسرين - في الغرابة والبعد - بما ذكره ابن عطية والقرطبي أيضا أن بعضهم ذهب إلى أن الضمير في قوله { من مثله } عائد إلى ما نزل من قبل من كتب الله، وفساد هذا الرأي ظاهر بداهة لمخالفته ما يتبادر من معنى الآية ومعاني نظائرها، ولأن التحدي إنما هو بالقرآن وليس بما تقدمه من الكتب.
والمراد باتقائهم النار اتقاؤهم الأسباب الموصلة إليها، وأهمها ركوب متن العناد، والإخلاد إلى الكفر والشقاق كرها للحق وتعاميا عن الحقيقة مع سطوع حجتهما وإشراق براهينهما، وهو من التعبير بالمسبب عن السبب.
والوقود ما تشتعل به النار من زيت أو حطب أو ما أشبهها، وهو بفتح الواو في قراءة العشرة وقرأ الحسن بن أبي الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرف، وأبو حيوة، وعيسى بن عمر الهمداني بضم الواو، وهي محمولة على أنه مصدر للمبالغة كما قال الشاعر:
فإنما هي إقبال وإدبار
وذلك بأن يجعل ذلك عين اتقادها، ولا معنى لتقدير بعضهم مضافا - وهو ذوو - قبل وقود لأنه مما ينفر عنه الطبع السليم، ويأباه الذوق المستقيم، فضلا عن كون هذا المحذوف ليس إليه من داع فالمعنى واضح حسب التأويل الذي سبق، على أن المضموم من هذه اللفظة يأتي بمعنى المفتوح، والعكس كما ذكره بعض من يعول عليهم من أئمة العربية.
والمراد بالناس الكفار المكذبون بالرسول صلى الله عليه وسلم وما نزل عليه، وهو مبني على أنها نار مخصوصة بالكفار، وثم نيران أخرى لغيرهم من أصحاب الكبائر، ويدل عليه تذييل الآية بقوله: { أعدت للكافرين } ، وذهب جماعة إلى أن إعدادها للكفار لا ينافي اشتراك سائر أهل الكبائر معهم في دخولها.
والمراد بالحجارة التماثيل المنحوتة التي عبدوها من دون الله وعلقوا على عبادتها أمل نجاتهم، فإنهم يعذبون بها يوم القيامة لمضاعفة حسرتهم على تأليهها، وبيان حقارتها عند الله عندما تنقلب أداة ضر، بعدما عدوها وسيلة نفع، وسببا للسحق بعدما كانوا يطمعون أن تكون لهم سبيلا إلى الزلفى، وهناك يكتشفون ضلال عقولهم وخيبة سعيهم إذ عدلوا عن عبادة الله خالق السماوات والأرض ومن فيهن إلى عبادة أحجار نحتوها بأيديهم، وصوروها بحسب رغبتهم، لا تسمع، ولا تبصر، ولا تحسب، ولا تفكر، ولا تأتي بخير، ولا تدفع ضيرا، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى:
إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون
Unknown page