306

فنخمل الدهر مع الخامل

و { من دون الله } متعلق ب { ادعوا } أي استنصروا بشهدائكم ولا تستنصروا بالله، فإنه لن ينصركم، وهو مبني على أن المراد بالشهداء المناصرون، أما إن قيل إن المراد بهم الذين يشهدون لهم بمضارعة ما جاءوا به للقرآن، فيكون المعنى ادعوا الذين يشهدون لكم بذلك ولا تدعوا الله إن كنتم تتصورون أن من أعوانكم ونصرائكم من تطاوعه لسانه فينطق بالتسوية بين القرآن وما جئتم به، وهذا يعني أن يجعلوا جانب الله تعالى كالمشهود عليه، وهو أيضا من باب توسعة ميدان المعارضة لهم بحيث سمح لهم أن يأتوا بمن شاءوا من دون الله، ممن يطمعون أن يميلوا إلى جانبهم فيرفعوا ما يلفقونه من القول إلى مقام القرآن.

ويصح أن يكون متعلقا بشهداء، وعليه فالمراد استحضروا الذين اتخذتموهم آلهة من دون الله زاعمين أنهم يشهدون لكم يوم القيامة، و { دون } على هذا القول مستعملة في التجاوز، وجوز بعضهم أن تكون بمعنى أمام أخذا من قول الشاعر:

تريك القذى من دونها وهي دونه

ومعنى ذلك ادعوا الذين يزعمون أنهم يشهدون لكم بين يدي الله، أما إن قيل إن الشهداء الذين يشهدون لهم بأن ما يأتون به كالقرآن ف { دون } دالة على التجاوز لا غير، وجوز بعضهم تقدير مضاف، أي من دون حزب الله ويراد بهم المؤمنون توسعة لهم أن يأتوا بمن شاءوا من الحكام الذين هم على ملتهم كما تقدم.

وقوله: { إن كنتم صادقين } تذييل لما تقدم بما يثير حماسهم من تكرار التحدي وتأكيده، والمراد به إن كنتم صادقين أنه كلام بشر، أو أنه مظنة للريب، أو أن الاتيان بمثله أمر مقدور عليه، وجىء ب " إن " دون إذا لأن صدقهم لا مكان له هنا، وقد تقدم الكلام على الصدق في معرض الحديث عن نقيضه وهو الكذب فلا داعي لتكراره.

وإيثار " إن " على إذا - في قوله: { فإن لم تفعلوا } مع القطع بأنهم لا يفعلون - لأجل ملاينتهم وإطماعهم في القدرة على الإتيان بالمطلوب، بعد إثارة نعراتهم بما تقدم من التعريض بهم أنهم كاذبون، وهم أحرص ما يكونون على إلقاء هذه الوصمة الشائنة، ودرء هذا العار البغيض عن أنفسهم، وقد كانوا أصحاب الحمية المتوقدة، والعصبية الثائرة، فلا يمكن مع ما سبق من تكرار التحدي وتتابع التقريع إلا أن يفكروا في استعراض ملكاتهم، والمقارنة بين ما تحدوا به من القول وما هو من مقدور ألسنتهم، فكأنه قيل لهم قدروا أنكم عاجزون عن فعل ما طولبتم به، ثم أتبعت هذه الملاينة المطمعة بالشدة المؤيسة في قوله: { ولن تفعلوا } لئلا يبقى لهم عذر أو دعوى يتشبثون بها في تركهم المعارضة، فقد أغروا بها بأنواع القول.

وفي قوله: { فإن لم تفعلوا } اختصار، لأنه بمعنى فإن لم تأتوا بسورة من مثله، وكذا في قوله: { ولن تفعلوا } لأن مؤداه ولن تأتوا بسورة من مثله، و " لن " لا تأتي إلا مع قصد تأكيد النفي أو تأبيده أو لأجلهما معا، وهي هنا مفيدة للتأكيد والتأبيد كما في قوله تعالى:

لن يخلقوا ذبابا

[الحج: 73] لتعذر أن يأتي أحد بمثل القرآن أو بمثل سورة منه في أي عصر كان.

Unknown page