299

[فاطر: 36 - 37]، وعليه فهو من ضمن ما يتعلق بلعل؛ سواء قيل إنها تعليلية أو للترجي على حسب الاختلاف الذي أوردته من قبل، وقيل: هو مرتبط بجملة { الذي جعل لكم الأرض فراشا } ، وعليه فالموصول مقطوع عما قبله، وإنما هو خبر لمبتدأ محذوف ولا يخلو من تكلف، والذي يظهر لي أنه مرتبط بجميع ما تقدم من تعداد الآلاء المتنوعة التي تبدأ بخلقهم وخلق من قبلهم، وما ذكر بعده من جعل الأرض فراشا لهم، والسماء بناء، وإنزال الماء من السماء، وما يتبعه من إخراج رزقهم من الأرض، فإن جميع ذلك باعث على إخلاص العبادة لله الذي أغدق عليهم هذه النعم، فكان نهيهم عن اتخاذ الأنداد له سبحانه - بعد تذكيرهم بنعمه التي تقتضي منهم الشكر المنافي للاشراك - من الملاءمة لما تقدمه بمكان.

والند هو المثل المعارض، وقيل: ولو لم يكن معارضا وإنما الغالب في الأنداد التنافس والتعارض بينها، فلذا خصه الأولون بالمعارض، وهؤلاء المخاطبون لم يكونوا يعتقدون في معبوداتهم أنها معارضة لله تعالى، وإنما كانوا يعتقدونها وسيلة توصلهم إلى مقامات الزلفى منه، غير أنهم عدوا بمنزلة من اعتبرها معارضا له نظرا إلى أن العبادة من خصوصيات الخالق، فإشراك غيره فيها يعني اعتبار ذلك الغير في مقام الند له.

والنهي عن جعل الأنداد لله يعم جميع أنواع الجعل، سواء كان بالتوجه إليها بالعبادات المعروفة؛ كالتقرب إليها بالركوع والسجود، والقرابين والنذور، أم كان بالضراعة والابتهال وطلب قضاء الحاجات التي لا يمكن لمخلوق قضاؤها، أم كان باعتقاد قدرتها على التصرف في هذا الوجود، أم كان بالطاعة المطلقة التي تخرج بالصادرة منه عن طاعة الله سبحانه وتعالى، وقد روي عن سلف الأمة ما يدل على ذلك كله، والاختلاف فيما روي عنهم لا يتجاوز أن يكون من باب الاختلاف في مراعاة الأحوال بحسب اختلاف المقامات، وإلا فالنهي شامل لذلك كله، ومن ذلك ما أخرجه ابن اسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: { فلا تجعلوا لله أندادا } أنه قال: " أي لا تشركوا به غيره من الأنداد التي لا تضر ولا تنفع، وأنتم تعلمون أنه لا رب لكم يرزقكم غيره " ، وأخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم قال: " أندادا أي أشباها " ، وأخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في الأدب المفرد؛ والنسائي، وابن ماجة، وأبو نعيم في الحلية عن ابن عباس قال:

" قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: " ما شاء الله وشئت " فقال له صلى الله عليه وسلم: " أجعلتني لله ندا؟ قل ما شاء الله وحده " "

، وأخرج عبد بن حميد عن قتادة قال: " أندادا أي شركاء " ، وأخرج أحمد وأبو داود، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن ماجة، والبيهقي، عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان "

وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: " الأنداد الشرك اخفى من دبيب النمل على صفا سوداء في ظلمة الليل، وهو أن تقول والله وحياتك يا فلان وحياتي، وتقول لولا كلب هذا لأتانا اللصوص، ولولا القط في الدار لأتى اللصوص، وقول الرجل ما شاء الله وشئت، وقول الرجل لولا الله وفلان، هذا كله شرك " ، وأخرج ابن جرير عن ابن مسعود وابن عباس رضي الله عنهما أن المراد من قوله: { فلا تجعلوا لله أندادا } فلا تجعلوا من الرجال أكفاء لله تطيعونهم في معصية الله.

وما أدق هذه التفاسير المأثورة عن السلف الصالح رضي الله عنهم في معنى الأنداد، وما أعزب فهم كثير من الناس عنها، فلعلهم يتصورون ان اتخاذهم الأنداد لا يعدو عبادة الأصنام المنحوتة من الأحجار، ولا يدركون أن الأمر أعم منه، فقد تكون أصنام البشر أضر من أصنام الحجر إذا ما عظم الطواغيت وانقادت لهم الناس، وخضعوا لأحكامهم الجائرة، وآثروا ضلالهم على هدى الله، ورددوا شعاراتهم الزائفة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يقصد بها إلا نقض عرى الدين وهدم صرح التوحيد، وإذا كان من شأن عقيدة التوحيد تطهير النفوس من الأوهام، وتزكية الأعمال بإخلاصها لله، فإن من شأنها أيضا تحرير الإنسانية حتى لا تخضع لغير الله ولا تتحاكم إلى غير شرعه ولا تنقاد إلا لحكمه ، ولا تذعن لغير طاعته، فلله الخلق ولله الأمر، وكل من تطاول فأمر بما يخالف أمره تعالى فهو متطاول على سلطان الله.

وتذييل الآية بقوله: { وأنتم تعلمون } لأجل حفزهم على النظر في ملكوت الله الدال على ملكه القاهر وسلطانه الباهر، لينشأ عن هذا النظر إخلاص العبادة لوجهه والاستسلام لأمره ونهيه، والمراد بكونهم يعلمون أن الله خلقهم مهيئين للعلم بما آتاهم من أسبابه ومنح كلا منهم من القوة الفكرية ما يمكنه من التفرقة بين الحق والباطل، والتمييز بين الهدى والضلال، لولا اتباع الشهوات، وتحكيم العادات، والتأثر بالبيئات فإن هذه هي عوامل إطفاء نور الفطرة وإخماد جذوة الفكر، فإذا لم يبصر أحد الهدى فما هو إلا من تقصيره في النظر والملامة لا تعود إلا عليه، فالخلقة كاملة والفطرة سليمة.

وكونهم من شأنهم العلم لا ينافي ما سبق من وصف المنافقين بعدم العلم وعدم الشعور، فإن العلم والشعور المنفيين هناك علم خاص وشعور خاص لا مطلق العلم والشعور، وقد علمت أن منشأ عدم شعورهم وعلمهم تقصيرهم في النظر بسبب هوى نفوسهم واتباع شياطينهم، وليس ذلك فيهم جبليا.

Unknown page