Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
هذا وفي تذكيرهم بأنهم يعلمون في مقام التقريع والزجر، تربية نفسية بالغة، فإن تذكير الانسان بأسباب الكمال في نفسه حافز له على استخدام هذه الأسباب في تغطية جوانب نقصه، وهو مسلك تربوي قرآني جاء ممن يعلم خفايا النفوس، ويحيط بأسرار طبائعها.
ولا داعي إلى تقدير مفعول ل { تعلمون } لأن المراد به أنهم متصفون بالعلم، وليس المراد تذكيرهم بمعرفتهم بشيء معين، خلافا لبعض المفسرين الذي قدر بعضهم؛ وأنتم تعلمون أن أولئك الأنداد ليسوا أهلا لأن يعبدوا، وقدر آخرون منهم؛ وأنتم تعلمون أن الله وحده هو الخالق، وآخرون؛ وأنتم تعلمون أن الله لا ند له في التوراة، وهذا مبني على أن الخطاب موجه إلى اليهود فحسب، وقد علمت أن الصحيح غير ذلك.
واستدل الفخر الرازي - بما جاء في هاتين الآيتين من الاستدلال على وجود الله، وعظمته، وعلو شأنه، وانفراده باستحقاق العبادة بأنواع مخلوقاته - على صحة المنهج الكلامي وأسلوب علماء الكلام، وأطال في الاستدلال لرأيه هذا، وساق له العديد من الأمثلة في القرآن، وشنع على الذين ينكرون على علماء الكلام هذا المسلك، وبين شبههم التي يتعلقون بها، وأطال في تفنيدها ودحضها شبهة شبهة، والقول الفصل في هذا أن علم الكلام إن سلك مسلك القرآن في إثبات المعتقدات الصحيحة بدلائل الفطرة والبيئة، فذلك مسلك سليم وطريقة ناجحة، وإنما يعاب على المتكلمين اتباعهم أسلوب فلاسفة اليونان القدامى، وحشر مصطلحاتهم في البحث والجدل، وهي طريقة عقيمة ليست من ورائها فائدة إلا كثرة الكلام، وما لنا وللجدل الإغريقي وقد أغنانا الله بكتابه الكريم الذي يخاطب الانسان بمنطق الفطرة، ويقيم عليه الحجة مما انطوت عليه نفسه، واشتمل عليه خلقه من آيات الله، ويفتح عينيه ليتأمل الآيات الكبرى في فسيح الكون من حوله، ويبين له بدلائله الصادقة وبراهينه الصادعة أن الله سبحانه ميزه عن سائر المخلوقات بما اختصه به من المواهب، وبخلق الأرض وما فيها له، وتسخير منافع الكون لأجله حتى صار القطب الذي تدور عليه رحى هذا الوجود.
ولعمري إن هذه الطريقة هي أنجح طريقة في إيقاظ الفطرة من سباتها، وتنبيهها من غفلتها، وكانت هي الوسيلة لاقناع الناس بهذا الدين، من غير تعمق في الجدل ولا غلو في البحث، بخلاف المنطق الإغريقي الذي لا يمت بصلة إلى الفطرة الانسانية، ولو قدرنا أنه صالح للإقناع في عصر ما فإنه لا يصلح لأغلب العصور، ومما يؤسف له أن ينساق علماء الكلام وراء هذا المنطق، ويحشروا جل مؤلفاتهم أو كلها بجدلياته العقيمة حتى خرجوا بعلم الكلام إلى متاهات شتى، فلم يكن قاصرا على تنزيه الله سبحانه، بل أصبح أشبه بالعلوم الفلسفية منه بالعلوم الشرعية.
والذي أراه - واقترحه على المفكرين المسلمين - تجريد مباحث علم التوحيد عن هذه الفلسفات والسير بها في منهاج القرآن، ولست أنحي باللائمة على المتكلمين وحدهم، فالذين يتعامون عن دلائل العقل، ويتصاممون عن حججه ليسوا من هدي القرآن في شيء، فالله تعالى يقول:
وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلهآ إلا العالمون
[العنكبوت: 43]، ويقول:
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ومآ أنزل الله من السمآء من مآء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دآبة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السمآء والأرض لآيات لقوم يعقلون
[البقرة: 164] ويقول:
إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب
Unknown page