291

4- البرق مثل للاسلام، والظلمات مثل للفتنة والبلاء.

5- أن الصيب هو القرآن وهدى الاسلام، والظلمات ما يعتريهم من الوحشة عند سماعه؛ كما تعتري السائر في الليل وحشة الغيم، والرعد قوارع القرآن وزواجره، والبرق ظهور أنوار هديه من خلال الزواجر.

6- أن الصيب هو القرآن، وأن الظلمات هي الكفر؛ بجامع أن كلا منهما مهلك، وسبب للحيرة، والرعد هو الوعيد، والبراهين الساطعة هي البرق، وإعراضهم عن القرآن هو سداد آذانهم عن الصواعق، وتركهم دينهم هو الموت عندهم.

وثم أقوال أخرى كثير منها قريب مما ذكرنا، وبعضها بعيد عن مدلول الآية، ليس على صحته من دليل.

والقول الثاني: هو الذي ذهب إليه الزمخشري وعزاه إلى علماء البيان، وتابعه عليه السيد الجرجاني وأبو السعود وأبو حيان، وحاصله أنه لا داعي إلى تكلف البحث عن وجه الشبه بين مفرد وآخر، لأن القصد من التمثيل تشبيه هيئة مركبة من عدة أفراد، تضامت حتى صارت شيئا واحدا بهيئة أخرى مثلها، والصورة المشبه بها إذا ما اندمجت أفرادها كانت ذات أثر نفسي بالغ، بخلاف ما إذا عزل بعضها عن بعض، فتشبيه المنافقين بالساري في ظلمات الليل، إذا انهمرت عليه السماء بودقها، وأحاط به رعدها وبرقها، وهو في صحراء لا يجد مأوى ولا واقيا، أدل على حيرتهم مما لو فكك التشبيه فشبه كل فرد بآخر، وكذلك تشبيههم في المثل الأول بمن طفئت ناره - بعد إيقادها وإضاءتها ما حوله - فتخبط في ظلمته، وهام في حيرته أبلغ في تصوير حالتهم النفسية وما يعتريهم من الاضطراب مما لو روعي في التمثيل التشابه بين كل فرد في الهيئة المشبهة ونظير له في الهيئة المشبه بها، وهذا يعني تناسي الأفراد رأسا في التشبيه المركب، ووصف الزمخشري هذا الرأي بأنه القول الفحل، والمذهب الجزل، وبناء عليه لا داعي إلى تقدير مضاف قبل لفظة صيب، لولا ما يقتضيه من ضرورة وجود معاد للضمائر في قوله { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ، وما في الآية الثانية من الضمائر.

والمراد بمشيهم فيه مشيهم حيث يشرق نوره، واختلف في قوله { ولو شآء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم } ، قيل: هو داخل في التمثيل، وعليه فمعاد ضمائره إلى أصحاب الصيب، وقيل: هو عائد إلى المنافقين الذين ضرب لهم المثل؛ وعلى الأول فالمراد؛ ولو شاء الله لذهب بسمعهم بقصيف الرعد، وأبصارهم بوميض البرق، وهو يدل على هول ما لقوا، فقد كان الرعد من قوة الصوت بحيث يذهب بالأسماع؛ لولا أن الله لم يشأ ذلك، وهكذا كان لمعان البرق من الشدة بحيث يذهب بالأبصار؛ لولا مشيئة الله غير ذلك، وذهب بعضهم إلى أن ذهاب السمع والأبصار كناية عن الموت، لأن من مات فقد سمعه وبصره؛ وعلى الثاني فالمقصود أن الله عز وجل لو شاء لأتى على جميع وسائل الهداية عند المنافقين حتى لا يجدي فيهم وعظ واعظ، ولا يفيدهم إرشاد مرشد، غير أنه تعالى أبقى عليهم هذه الأسباب لتكون حجة على من أصر على كفره، وطريقا إلى رشد من عدل عن غيه.

وبناء على الرأي الأول يعد هذا الوصف ساريا من الصورة المشبه بها إلى الصورة المشبهة، ويقصد بذلك ما أشرنا إليه من أن الله تعالى أمهل لأولئك المنافقين ليتوب من تاب منهم، وليزداد المصرون ضلال وإثما، وهو يتضمن وعيدا لهم إن لم يبادروا بالاقلاع عن غيهم، والتخلص من النفاق الذي مردوا عليه، ويتأكد ذلك بقوله من بعد { إن الله على كل شيء قدير } ، فمن خلق السماوات والأرض، وبيده ملكوت كل شيء، لا يعجزه إتلاف حواس من شاء من خلقه بما شاء من الأسباب، بل لا يعجزه القضاء على حياة من شاء متى شاء.

وهذا التذييل يتلاءم كل الملاءمة مع ما تقدم من تهديد أهل النفاق، وكل ما سبق في وصف المنافقين من بداية قوله تعالى { ومن الناس من يقول آمنا } إلى خاتمة هذه الآية، ينطبق على المنافقين في كل عصر، وكذا ما تجدونه هنا وفيما سبق من الوعيد يشمل منافقي جميع العصور، فلا يغرن أحد نفسه بأن هذا الوعيد خاص بطائفة مخصوصة في عصر معين، فالنفاق هو النفاق في أي عصر كان، ولا أثر لاختلاف الأزمان في اختلاف وعيده، نسأل الله تعالى العافية وحسن الخاتمة.

[2.21-22]

الآيات السابقة قسمت الناس إلى طوائف ثلاث، مؤمنة ظاهرا وباطنا، وكافرة ظاهرا وباطنا، ومذبذبة بين الطائفتين، مؤمنة في الظاهر وكافرة في الباطن، وبينت صفات كل طائفة، وما يؤول إليه أمرها، وجاء عقبها هذا النداء العام الموجه الى عموم الناس على انقسام طوائفهم، يدعوهم إلى عبادة الله، ويذكرهم بمختلف آلائه وفي هذا النداء إيناس للنافر المستوحش مما سبق من قوارع الإنكار، وتذكير للغافل بما تستوجبه نعم الله عليه من أداء شكرها بإخلاص العبادة لمن أسبغها عليه، وهو في حقيقته نداء موجه الى الفطرة الانسانية لايقاظها من نومها، وتنبيهها من غفلتها.

Unknown page