290

إلا أن يحاط بكم

[يوسف: 66]، فإن المقام قابل لكل معنى من هذه المعاني، والتعبير بالاحاطة من باب الاستعارة، إما على طريقة التمثيلية وإما على طريقة التبعية.

وقوله { يكاد البرق } يصح أن يكون استئنافا بيانيا لجواز التساؤل عن حالهم مع البرق بعد الاخبار عن حالهم مع الرعد، ويجوز أن يكون حالا من الضمير في { يجعلون }.

والخطف؛ الأخذ بسرعة، والتعبير بكلما في جانب الاضاءة، وبإذا في جانب الإظلام، يفيد أنهم حريصون على المشي، فلا يترددون - إذا ما أبصروا الطريق من لمعان البرق - في الإسراع فيه، وقد تقدم أن " أضاء " يصح أن يكون لازما وأن يكون متعديا، وكذلك " أظلم " غير أن اللزوم في هذا الأخير أكثر، وإنما يترجح التعدي هنا لمقارنته " أضاء " مع قرائن الحال الدالة على أنهم كانوا ينتفعون بإضاءة الطريق فيحرصون عليها، وعليه فيقدر المفعول - وهو الطريق أو الممشى - في الموضعين، والمراد بقيامهم إمساكهم عن المشي.

واختلف في أفراد هذه الصورة التمثيلية، هل كل فرد منها واقع إزاء نظير له في الصورة الممثلة؛ بحيث يصح أن يستقل بالتشبيه، أو هي مندمجة بالتركيب، ولا داعي إلى الالتفات إلى ما بين كل فرد وآخر من التناسب؟

أقوال في مفردات هذا التمثيل:

وعلى القول الأول فلا محيص عن البحث عما يقابل كل فرد من الهيئة المشبه بها من أفراد الهيئة المشبهة، وهو الذي عليه جمهور أهل التفسير من السلف والخلف، وقد سبق أن جماعة من الصحابة فمن بعدهم قالوا: إن المراد بالصيب القرآن؛ بجامع أن كلا منهما سبب للمنفعة والحياة، وإليكم بعض ما قيل في المراد بهذه المفردات من التمثيل:

1- الصيب هو القرآن، وما فيه من الاشكال عليهم والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج التي تبهر عقولهم هي البرق، وتخوفهم وروعهم وحذرهم هي جعل أصابعهم في آذانهم، وفضح نفاقهم واشتهار كفرهم وما يكرهونه من تكاليف الشرع كالجهاد والزكاة هي الصواعق، وعزا ذلك ابن عطية إلى الجمهور، وحمل عليه ما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن المنافقين في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يجعلون أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا القرآن، فضرب الله المثل لهم.

2- أن الصيب مثل الاسلام، والظلمات مثل لما في قلوبهم من النفاق والبرق والرعد مثلان لما يخوفون به.

3- أخرج ابن جرير وابن إسحاق وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: الصيب هو المطر، وهو مثل للمنافق في ضوئه يتكلم بما معه من القرآن مراءاة للناس، فإذا خلا وحده عمل بغيره، فهو في ظلمة ما أقام على ذلك، وأما الظلمات فالضلالات، وأما البرق فالايمان.

Unknown page