Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
نداء الفطرة أنجح طرق التربية النفسية:
ونداء الفطرة يعد أنجح طريقة في التربية النفسية، ففيما تقدم من قواصف الانكار وصوادع الوعيد؛ كفكفة للنفس الطائشة عن غلوائها في الشر، وفي النداء الذي يتبع ذلك تذكير لها بأنها لم تزل - مع سوابق إعراضها وبعد شططها في الصدود - يراد لها الخير، ولا يطلب منها إلا ما فيه مصلحتها، وبهذا الذي ذكرته ينكشف ما بين الآيات السابقة وبين هذه الآية وما بعدها من رباط.
ولطف الخطاب هنا بعد شدته هناك - للحكمة التي ذكرتها - لا ينافي اندراج الطائفة الأولى في عموم هذا الخطاب، فإن سلاسة القول كما تتألف النافر، وتقرب البعيد، تزيد الأليف ألفة، والقريب قربا، وتمنحهما باعثا نفسيا على إتيان ما يراد منهما من الخير، وتزيد همتهما نشاطا، وفكرتهما اتقادا، ورؤيتهما وضوحا، على أن تلك الطائفة المؤمنة نفسها لا تخلو عادة من تأثر بالوعيد الموجه إلى غيرها، لأن من شأن المؤمن أن يكون شديد الحذر، مشفقا على نفسه من انزلاق قدمه فيكون في عداد أهل الضلال.
وإذا كانت الآيات السابقة تثير الوجل وتبعث القلق في نفس المؤمن بهذا السبب، فإن هذا الخطاب يفيض عليه الأنس والطمأنينة، فتتعادل في نفسه كفتا الخوف والرجاء.
وهذا الذي قلته هو الذي يقتضيه اللفظ، فإن تعريف الناس تعريف جنسي - إذ لا عهد - فيشمل جميع الناس على اختلاف طوائفهم.
ومن المفسرين من يخص هذا الخطاب بطائفتي الكفر والنفاق، وهو الذي رجحه ابن جرير وعزاه إلى ابن عباس رضي الله عنهما، ومنهم من يرى أنه خاص بالمنافقين وحدهم، وعزي إلى ابن عباس أيضا، ومنهم من يقول إنه خاص بكفار العرب، ومنهم من يقول إنه لليهود وحدهم، والتخصيص بغير مخصص تحكم، ويقوي العموم جواز التأكيد بما يفيد العموم في مثل هذا اللفظ، وجواز الاستثناء، وصدر الخطاب ب " يا " وهي أصل حروف النداء فيه، ولذلك ينادى بها القريب والبعيد على الراجح، خلافا لمن قال: إنها مخصوصة بالبعيد، وإن نودي بها القريب فلتنزيله منزلة البعيد، إما لسهوه وغفلته، وإما لاعتقاد البعد المعنوي بين المنادي والمنادى، ولذلك ينادى بها الله سبحانه وتعالى لأجل تنزيل المنادي نفسه منزلة البعد لضعفه وعجزه وقصوره هضما لنفسه، واعترافا بما هو متلبس به مما يبعد عن مقامات الزلفى ودرجات المقربين.
و " أي " وصلة لنداء ما دخل عليه الألف واللام، ومخاطبة الناس هنا بعد الاخبار عنهم فيما سبق، التفات كالذي تقدم شرحه في قوله تعالى: { إياك نعبد وإياك نستعين } ، والذي يحسنه هنا - بجانب النكتة العامة وهي تطرية الكلام وتجديد نشاط سامعه - أن توصيف كل طائفة من تلك الطوائف الثلاث وبيان أحوالها، جعلها في حكم الحضور، فحسن نداؤها وتعميمها بالخطاب، مع ما ذكرته من أن أنس هذا الخطاب يجدد نشاط الصالح، ويكف من شطط المفسد.
والعبادة سبق تفسيرها في الفاتحة، واختيار لفظة الرب دون سائر أسمائه تعالى؛ لما في مدلوله من معنى التربية بمختلف الآلاء الظاهرة والباطنة، وفي هذا حفز للمسارعة إلى ما أمر به من العبادة، لأن الخطاب صادر من الرب والعبادة المأمور بها له، وفيه نوع تعليل للأمر؛ لأن من القواعد المعروفة أن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، ويقوي ذلك ما ولي اسم الموصول من ذكر الخلق وما بعده، وهذا لا ينافي أن يكون الله تعالى حقيقا بالعبادة، وجديرا بالطاعة المطلقة بنفس علو ذاته وكمال صفاته، مع قطع النظر عما أفاضه على عباده من صنوف النعم؛ أهمها إخراجهم من العدم إلى الوجود، الذي ترتبت عليه بقية الآلاء، إذ لا مانع أن يراعى في العبادة الكمال الذاتي للمعبود، وما صدر عنه من فيض هباته للعابدين، بل هذا هو المطلوب.
والخلق أصله التقدير والتهيئة، يقال خلق الأديم إذا هيأه للقطع، وخلق الأمر إذا قدره، ومنه قول الشاعر:
ولأنت تفري ما خلقت وبع
Unknown page