289

وجملة " يجعلون أصابعهم.. الخ " قيل: إنها حالية لايضاح المقصود من الهيئة المشبه بها؛ لأنها كانت مجملة، ولا أدري ما هو العامل فيها عند هذا القائل، على أن المعهود في الأحوال أن تأتي للكشف عن المفردات لا الجمل، وقد قالوا إن للجمل حكم النكرات ولا تأتي حال من نكرة إلا إذا تقدمتها نحو " لمية موحشا طلل ".

وقيل إنها استئناف بياني لأنه لما ذكر الصيب ورعده وبرقه تبادر سؤال سائل، كيف كانوا يفعلون مع ذلك؟ فأجيب بها.

وقد سبق الكلام عن الصواعق وهي مأخوذة من الصعق؛ وهو الصوت الشديد، ويقال: صعقته الصاعقة إذا أهلكته، كما يقال صعق إذا مات، وقوله { من الصواعق } تعليل قوله { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ، فهو ساد مسد المفعول لأجله، وقوله: { حذر الموت } تعليل للمعلول مع علته فلا يرد عليه أنه لا يترادف تعليلان لمعلول واحد، أفاد ذلك ابن هشام وقطب الأئمة، وذلك أن التعليل الأول بمثابة القيد والمقيد غير المطلق.

والتمثيل يدل على حماقة أصحاب هذه الصورة الممثل بها واستيلاء الحيرة عليهم، فهم عندما انهمر الصيب، وطبق سحابه الأرجاء، وتوالى قصف رعده، ولمعان برقه، كانوا يلجأون إلى سداد آذانهم خشية أن يلج إلى مسامعهم هذا الصوت المزعج فيهلكهم، ظانين أن عدم وصوله إلى مسامعهم مظنة لسلامتهم مما يحذرون، مع أن الموت إنما يكون بمفارقة الأرواح الأجساد، فلا يقي منه اتقاء شيء من الأصوات بسد الآذان دونه، ولكن ذلك شأن الحماقة والجبن إذا استحكما في النفس، ولذلك أردف الله سبحانه بقوله { والله محيط بالكافرين } للتنبيه على أن ما يفعلونه لم يكن ليقيهم شيئا من أمر الله الذي خلق الموت والحياة.

واختلف في هذا التذييل؛ هل هو داخل في التمثيل أو هو خارج عنه جاء معترضا لبيان أن ما استحقه المنافقون إنما كان بسبب كفرهم الذي يوارونه بخداعهم، وفي هذا تقرير لحال الذين ضرب فيهم المثل لئلا يشتغل السامع بالمثل عن الممثل له، كما أنه يتضمن وعيدا لأصحاب هذه الحالة، وتحذيرا لهم بأن الله تعالى لا تخفى عنه طواياهم.

وإحاطة الله يمكن أن تكون إحاطة علمية كما في قوله:

أحاط بكل شيء علما

[الطلاق: 12]، أو إحاطة قدرة كما في قوله:

والله من ورآئهم محيط

[البروج: 20]، أو بمعنى الاهلاك كما في قوله:

Unknown page