288

والرعد هو الصوت الذي يصدر من السحاب، والبرق هو اللمعان المضيء في الأفق، وغالبا ما يكون في السحاب، وقد هام أكثر المفسرين في تفسيرهما، وكانت أقوالهم تدور بين ما تلقوه من الأكاذيب الإسرائيلية والأوهام الإغريقية؛ فمنهم من قال: إن الرعد ملك يزجر السحاب بصوته، ومنهم من قال: هو ملك يسبح، والصوت المسموع هو من تسبيحه، وذهب آخرون إلى أنه اسم لصوت الملك، وذهبوا إلى أن البرق مخراق من حديد يسوق به الملك السحاب، ومنهم من قال: إنه سوط من نور، إلى ما وراء ذلك من الأقوال العارية عن الدليل، وقد عزاها جماعة من المفسرين إلى جماعة من الصحابة والتابعين، وذكر بعضهم - كابن جرير - أسانيد إلى من رويت عنهم من الصحابة والتابعين، وهي أسانيد كلها معلولة، لم يثبت شيء منها، ولم يعز شيء من ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، اللهم إلا ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس قال:

" سألت اليهود النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ قال: " ملك من الملائكة بيده مخاريق من نار؛ يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ " قال: " زجره بالسحاب إذا زجره، حتى ينتهى إلى حيث أمره ". قالت: صدقت "

وهو حديث ضعيف اتفق على ضفعه أئمة الحديث، وإن تعجب فاعجب لأولئك الذين ينصون على ضعف هذا الحديث، ثم يعولون عليه في تفسير الرعد والبرق في القرآن، ويبطلون به سائر الأقوال.

الأدلة على منشأ الرعد والبرق:

والأدلة العلمية تدل على أن منشأ الرعد والبرق؛ ما يكون من التماس بين السالب والموجب من الكهرباء التي هي في السحاب بجانب كهرباء الأثير، فإن الطاقة الكهربائية منبثة في كل هذه المخلوقات، فإذا حصل هذا التماس انقدح هذا النور اللامع ونتج عنه هذا الصوت الهادر، وإذا ما ازداد هذا التماس نزلت هذه الصواعق المهلكة والعياذ بالله، وعندما أدرك الناس هذه الحقيقة وانجلت عنها ستر الأوهام، أخذوا يتوقون وقع الصواعق بما يرفعونه على مبانيهم الشاهقة من عمد، يسمونها عمد الصاعقة، على أنه لو كان ما يروونه صحيحا، وثبتت نسبته إلى الرسول صلى الله عليه وسلم لما كان في ذلك منافاة للحقيقة العلمية الثابتة، إذ غاية ما كانت تدل عليه هذه الروايات أن وراء هذه الظواهر الطبيعية ملائكة يسيرونها، ومع عدم صحة تلك الروايات، لا داعي إلى تكلف هذا التأويل، هذا مع إيماننا الجازم بأن كل شيء مسخر بأمر الله.

ولم يجمع الرعد والبرق كما جمعت الظلمات؛ إما لأن المراد بالرعد والبرق مصدر رعد وبرق، والأصل في المصادر أن لا تجمع، وإما لأجل النظر إلى هذا الأصل، وإن كان المراد به هو عينهما، وتنكير صيب ورعد وبرق لأجل النوعية، فكأنه قيل صيب غدق، ورعد قاصف، وبرق وامض.

والتمثيل بأصحاب الصيب - وإن لم يذكروا - لاقتضاء المقام ذلك، فالضمائر لا بد لها من مرجع، وفي قوله: { يجعلون أصابعهم في آذانهم } ثلاثة ضمائر جمعية، فلذلك قدروا أو كذوي صيب، أو أصحاب صيب.

وذهب الأكثرون من المفسرين والبلغاء إلى أن الأصابع عنا مجاز عن الأنامل لعلاقة الجزئية والكلية، والداعي إلى التجوز المبالغة في وصف حالهم وما أصابهم من الهلع، حتى يكاد أحدهم أن يغرز جميع أصبعه في أذنه، ولا داعي إلى ما ذهبوا إليه، فإن جعل الأصبع في الأذن يصدق حقيقة على إدخال بعضها أو كلها، كما لو قال قائل: لمست بدن فلان، فلا يلزم منه أن يحيط اللمس بجميع بدنه، ومثله يقال في أي عضو، فإن الاخبار عنه بشيء لا يقتضي الاحاطة حتى لا يخرج جزء منه عن مدلول ذلك الخبر، ألا ترون أن الأمة أجمعت على حمل قوله تعالى:

والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما

[المائدة: 38] على القطع من الرسغ، مع أن لفظ اليد يصدق على الكف والساعد والعضد إلى المنكب.

Unknown page