Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
وأصله صيوب - بإسكان الياء وكسر الواو - ولكن أبدلت الواو ياء وأدغمت، ونحوه ميت وسيد وهين، وتفسيره بالمطر هو رأي الأكثرين، وعزي إلى ابن مسعود وابن عباس، وآخرين من الصحابة، وأبي العالية ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، وروي عن الضحاك أنه السحاب، واستدل له بقول الشاعر :
وأسحم دان صادق الرعد صيب
وهو في هذا المثل مشبه به القرآن، روى ذلك ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، واستدل له بقوله صلى الله عليه وسلم:
" مثل ما بعثني الله به من الهدى كمثل الغيث أصاب أرضا فكانت منها نقية.. الخ ".
والسماء ما كان أعلى الأرض، وسنتكلم إن شاء الله عنها فيما يأتي، والصيب لا ينزل إلا من جهة السماء، فالاخبار عنه أنه من السماء؛ إما لمزيد الكشف والبيان لأجل التهويل والتعظيم، نحو قول امرئ القيس:
كجلمود صخر حطه السيل من عل
مع العلم أن الحط لا يكون إلا من أعلى، ومنه قوله تعالى:
فأمطر علينا حجارة من السمآء
[الأنفال: 32]، وإما للدلالة على غزارة الصيب لانحداره من جميع جهات السماء، بناء على اعتبار كل أفق سماء، وأن التعريف للجنس، وهو قاض بعموم جميع مدلولاته، وهذا هو توجيه الزمخشري، وفيه نظر لأن دلالة التعريف الجنسي على العموم إنما هي في جزئيات الكلي لا في أجزاء الكل، وإما للاشعار بأنه أمر لا يملكون دفعه، وليس ملاكه في أيديهم، وقد اشتهر عند العرب التعبير عما ألم بالناس ولم يكونوا يملكون دفعه بأنه نازل من السماء، وهو توجيه الإمام محمد عبده، وبناه على أن المقصود بالصيب في المثل الإرشادات الإلهية التي تسنح للأفكار عندما ينقدح ضوء الفطرة، وهو أمر وهبي واقع ما له من دافع، ولا يخلو هذا الوجه من النظر أيضا، فإن المتبادر هنا من كون الصيب من السماء أمر حسي مشاهد؛ وليس حقيقة معنوية معقولة، والأصل أن لا يعدل عن المتبادر إلى غيره، وبهذا يتضح أن التوجيه الأول هو الذي ينبغي أن لا يعدل عنه.
والظلمات جمع ظلمة، وقد تقدم معناها، فإن أريد بالصيب المطر - كما هو رأي الجمهور - فالمراد بالظلمات ظلمة تتابع قطره، وظلمة تطبيق غمامه مع ظلمة الليل الساجي، وتكون " في " هنا بمعنى مع، وإن كان المراد به السحاب - كما هو رأي الضحاك - فالمراد بالظلمات ظلمة سحمته، وظلمة الليل، وظلمة غزارة قطره .
Unknown page