286

أذاك أم خاضب بالسي مرتعه

أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب

ويجوز أن يكون العطف في مثل ذلك بأو وبغيرها كما علمت، وأصل أو لتساوي الأمرين في الشك، ثم استعملت في مطلق التسوية، وهي هنا دالة على جواز التمثيل بما سبقها وما وليها.

ولا إشكال في ورود مثلين، أو تعاقب عدة أمثال لحالة واحدة كما عرفت من الشواهد، وهذا ينبئك أن المقصود بضرب هذا المثل هو نفس الفريق الذي ضرب له المثل السابق، وهو فريق المنافقين، وهذا هو المأثور عن السلف كما سيأتي إن شاء الله، وعليه أكثر المفسرين، وقد تقدم أن الامام محمد عبده يرى أن تنوع المثلين لاختلاف المراد بكل منهما، وقد سبقه إلى مثل رأيه هذا الإمام ابن كثير في تفسيره، ورأيهما وإن اختلف في بعض الوجوه فهو متقارب، وذلك أن ابن كثير يتفق مع الامام محمد عبده على أن أصحاب المثل الأول أسوأ حالا من أصحاب المثل الثاني، فعنده أن الفريق الأول أعمق في النفاق وأنأى عن الحق، أما الفريق الثاني فهم منافقون يترددون بين الحق والباطل، والهدى والضلال، فتارة يلمع لهم نور الايمان فيبصرون، وتارة يخبو فيبقون في ضلالهم يعمهون، وحمل على مثل ذلك مثلي سورة النور في الذين كفروا، فخص أولهما بأولي الجهل المركب، وثانيهما بأصحاب الجهل البسيط.

وقد سبق ملخص تفسير الأستاذ الامام لأحوال أصحاب المثلين، وحصره كلتا الطائفتين في اليهود، غير أننا نجده في تفسيره للمثل الثاني يجعل أصحابه فتنة للبشر، ومرضا في الأمم، وحجة على الدين في جميع العصور، لأنهم يصارعون بهواهم عقولهم، ويقاومون بشهواتهم مشاعرهم ومداركهم، ويستطرد في تبيان أحوالهم بأسلوبه البليغ حتى ينتهي به المطاف إلى أنهم نبذوا كتاب الله إذ لم يدرسوه على حقيقته، بل درسوه بجدليات النحو والكلام، فطمسوا أنواره الهادية إلى الحق، وقرأوه بالتجويد والأنغام مع إهمالهم حكمه وأحكامه، ولم يقصدوا من دراسته إلا جمع حطام الدنيا ، والاستكثار من منافعها، ولم يعنوا بما فيه من تفاصيل الحلال والحرام، وعدلوا عن إصلاح القلوب به، ومعالجة النفوس بهداه إلى معالجة الأبدان من الأسقام بكتابته، إلى آخر ما وصفهم به.

وأنتم ترون أن ما ذكره هنا ينافي ما حدده أولا من أن الفريقين من اليهود، فإن هذه الصفات التي ذكرها إنما تنطبق على ضلال هذه الأمة؛ الذين اكتفوا من القرآن الكريم بتلاوته بالأنغام الشجية والألحان المطربة في الحفلات والمؤتمرات، ولم يعنوا بإصلاح نفوسهم به، وتنشئة أولادهم عليه، كأنما القرآن أنزل للاطراب والتسلية، لا للاصلاح والعمل والهداية، اللهم إلا أن يكون الأستاذ أراد مما أورده هنا، أن المثل وإن كان مضروبا في اليهود الذين استبدلوا الضلالة بالهدى، واستحبوا العمى على البصيرة بإهمالهم ما أنزل عليهم، وإطفائهم أنوار الفطرة في نفوسهم بعواصف الأهواء، فإنه ينطبق على من سلك مسلكهم من هذه الأمة، كأولئك الذين وصفهم بما وصفهم به.

وقد علمتم مما سبق أن الذي يقتضيه السياق، ويدل عليه اللفظ، هو أن هذه الأوصاف شاملة لمنافقي هذه الأمة، بغض النظر عن كونهم من العنصر اليهودي، أو من العرب، كما علمتم أن هذه العناية بشرح أوصافهم، وتجلية حالاتهم النفسية، وإماطة الستار عن طواياهم دليل على أنهم لم يكونوا محصورين في زمن الرسالة، وأنهم لم يكونوا مصدر خطر على هذه الأمة ودينها في ذلك العصر فحسب، بل هم مصدر بلاء وعنت وشقاق في كل عصر، فإنهم بالتواء مسالكهم واختلاف مداخلهم ومخارجهم، وتعدد وجوههم، يعسر الحذر منهم، ويقل الانتباه لمكرهم.

والصيب؛ المطر، مأخوذ من صاب يصوب إذا نزل، ومنه قول علقمة:

فلا تعدلي بيني وبين معمر

سقتك روايا المزن حيث تصوب

Unknown page