281

وهذا شأن الذين ضرب فيهم المثل، فهم بعد أن طفئت نار هدايتهم لم تعد لهم وسيلة إلى الخير بعد ما قطعوا جميع الوسائل باستحبابهم العمى على الهدى، فطبع الله على قلوبهم، وطمس حواسهم ومشاعرهم.

وعلى الثاني فإن في الآية عودا إلى المشبه بعد التشبيه بتجلية بعض صفاته لا عن طريق التمثيل، ويؤيد هذا الرأي الأخير أن ذكر الاستيقاد يدل على إبصار المستوقد، فإذا ما وصف بعد بالعمى وسائر العاهات المذكورة، كان في هذا الوصف منافاة لما تقدم من قبل.

حواس المنافقين فقدت منافعها:

وإنما وصفوا بما وصفوا به من الصمم والبكم والعمى - مع اكتمال حواسهم - لأجل فقدانهم منافعها، فأسماعهم لا تصغي إلى الحق، وإن أصغت إليه لم تعقله لعدم تقبلها إياه، وألسنتهم لا تتحدث به ولا تدعو إليه، وأبصارهم لا تتوصل إليه؛ لأنها معرضة عنه، فهم لا يختلفون عمن فقد هذه الحواس رأسا.

واختلف في هذه الطريقة؛ هل هي من باب الاستعارة أو الحقيقة؟ فذهب الزمخشري وأكثر علماء التفسير من المتقدمين والمتأخرين؛ إلى أن ذلك من باب التشبيه البليغ، وهو ضرب من الحقيقة؛ لأن الاستعارة لا تكون إلا مع طي ذكر المشبه - وهو المستعار له - بحيث يكون تركيب الكلام صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه لولا القرينة المعينة للمراد، والمشبه هنا في حكم المذكور لأجل بناء الكلام على تقديره، وتعقب ذلك السيد الجرجاني في حواشيه على الكشاف بما معناه: أنه لم يقصد هنا تشبيه ذوات بذوات، وإنما قصد تشبيه صفات بصفات، والصفات المشبهة مطوية، فلا مانع من عد ذلك من باب الاستعارة التصريحية التبعية، ورد عليه بأن تشبيه الصفات بالصفات يتعدى إلى تشبيه الذوات بالذوات، فلذلك كان هذا الاستعمال معدودا من التشبيه البليغ الذي تحذف منه آلة التشبيه مع جواز ذكرها، إذ لا مانع من أن يقال هم كالصم البكم العمي، وإنما في التشبيه البليغ من الفائدة ما لا يوجد فيما لو ذكرت آلة التشبيه، فإن المراد هنا الإيغال في وصفهم بفقدان منافع حواسهم؛ حتى اعتبروا كأن ذواتهم ذوات صم بكم عمي.

وأجاز الألوسي أن يكون الضمير المنوي المسند إليه يرمز إلى ذوات هؤلاء مع استحضار ما سبق من أوصافهم، ككونهم لا يشعرون ولا يعلمون، فيكون ذلك دليلا على المراد بصممهم وبكمهم وعماهم، ولا يخرج عن دائرة التشبيه البليغ.

والذي يتبادر لي أن نية المسند إليه لا تمنع من عد هذه الطريقة من باب الاستعارة؛ فإن للمشتقات أحكاما تختلف عن أحكام الجوامد، ألا ترى أن قول القائل:

" أراك تقدم رجلا وتؤخر أخرى " معدود في الاستعارة التمثيلية باتفاق البلغاء، مع ذكر الضمير المنصوب العائد إلى ذات المستعار له هذا الوصف، ومثله قول القائل: " فلان يوقد النار " والقصد إثارة الفتنة والبغضاء، فإن ذكر اسمه صريحا لا يمنع من عد هذا الأسلوب من باب الاستعارة، وقد عدوا قول الشاعر:

ويصعد حتى يظن الجهول

بأن له حاجة في السماء

Unknown page