280

ومادة الترك تستعمل في الطرح والاهمال، ومفارقة الشيء لغيره، وكثيرا ما تذكر معها الحال التي باين التارك المتروك عليها، وفي مثل هذا الاستعمال يضمن الترك معنى الجعل والتصيير فينصب مفعولين، وغالبا ما يدل ذلك على الزهد في الشيء أو تحقيره، ويراعى إذا اعتبر المنصوب الثاني مفعولا به كونه هو محل الفائدة المقصودة بالإخبار.

والظلمات جمع ظلمة، وهي نقيض النور، وكثيرا ما يفرد النور وتجمع الظلمة في كلام العرب، ولم يأتيا في القرآن إلا كذلك، وفسر ابن عباس الظلمات بالكفر، وروي عنه تفسيرها بالضلال وهو غير بعيد مما قبله، وروي عنه أيضا تفسيرها بالعذاب، وهو مبني على ما سبق نقله من أن انحسار هذا النور إنما يكون بعد مفارقة الحياة، وروي مثل ذلك عن الحسن البصري، وعن السدي أنه فسر الظلمات بالنفاق.

ولا فارق بين هذه الأقوال، فإن الضلال يصدق على الكفر والنفاق، والنفاق في حقيقته كفر، وإنما يزيد عليه بما يكون عليه المنافق من الخداع لله ورسوله وللمؤمنين، فالخلاف ما بين هذه الآراء لا يعدو أن يكون لفظيا، وإنما الخلاف المعنوي بينها وبين قول من يرى أنها العذاب، وإن كان كل من الكفر والنفاق والضلال مفضيا إلى العذاب، ذلك لأن من فسر الظلمات بها اعتبر أن ذهاب النور حاصل في الدنيا قبل الآخرة، ومن فسرها بالعذاب ذهب إلى أن النور ما يتمتع به المنافق في الدنيا بسبب كلمة التوحيد، وأن الظلمات ذهاب ذلك بعد مفارقته لها كما تقدم.

أحوال المنافقين كلها ظلمات:

ذهب ابن عاشور أن جمع الظلمات في هذه الآية يشار به إلى أحوال المنافقين التي يصلح تشبيه كل منها بالظلمة، وهي الكفر والكذب والاستهزاء بالمؤمنين، وما يتبعها من آثار النفاق المتنوعة، وذكر أن طي وجه الشبه في هذا التشبيه لأجل الاعتماد على فطنة السامع، فإنه يمكنه أن يستظهره من مجموع ما تقدم من شرح أحوالهم؛ ابتداء من قوله: { ومن الناس من يقول آمنا.. } الخ، وما يتضمنه المثلان من الاشارة إلى وجوه المشابهة بين أجزاء أحوالهم وأجزاء الحالة التي شبهوا بها، فإن إظهارهم الإيمان بقولهم { آمنا بالله } ، وقولهم { إنما نحن مصلحون } ، وقولهم عند لقاء المؤمنين { آمنا } ، أحوال ومظاهر حسنة تلوح على المنافقين حينما يحضرون مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، وحينما يتظاهرون بالاسلام، ويأتون بواجباته؛ كالصلاة والصدقة والصيام، ويصدر منهم طيب القول، وقويم السلوك، وتشرق عليهم الأنوار النبوية، فيكاد نور الايمان يخترق إلى قلوبهم، ولكن سرعان ما تنقلب تلك الحالة إلى نقيضها عندما ينفضون عن تلك المجالس، ويجتمعون ببطانتهم من كبرائهم أو من أتباعهم، فتعاودهم الأحوال الذميمة؛ من مزاولة الكفر، وخداع المؤمنين، والحقد عليهم والاستهزاء بهم، ووصفهم بالسفه، فهذا التظاهر وما تبعه من الإنقلاب مثلا بحال الذي استوقد نارا ثم ذهب عنه نورها.

وأتبع ذلك ابن عاشور أن من بدائع هذا التمثيل كونه - مع ما فيه من تركيب الهيئة المشبه بها ومقابلتها للهيئة المركبة من حالهم - قابلا لتحليله بتشبيهات مفردة لكل جزء من هيئة أحوالهم بجزء مفرد من الهيئة المشبه بها، فيشبه استماعهم القرآن باستيقاد النار، ويتضمن تشبيه القرآن في إرشاد الناس إلى الخير والحق بالنار في إضاءة المسالك للسالكين، ويشبه رجوعهم إلى كفرهم بالظلمات، ويشبهون بقوم انقطع إبصارهم.

ولم يذكر مفعول { لا يبصرون } لقصد عموم المبصرات، لأن الفعل المتعدي قد ينزل في مثل هذه الحالة منزلة اللازم لافادة تأكيد العموم، فكأنه قيل ليس من شأنهم الابصار رأسا، وجملة " وتركهم في ظلمات.. الخ " جاءت تقريرا لمضمون ما تقدمها؛ لأن من شأن من ذهب نوره أن يكون في ظلمة لا يبصر، والجملة التقريرية وإن كان مدلولها تتضمنه الجملة المقررة قبلها؛ فإن فيها من الفائدة إيقاظ الذهن الخامل لما قد يعزب عنه من هذا المدلول، وذلك أن الذهن قد لا يتصور النتيجة المترتبة على ذهاب الله بنورهم إلا عندما يوقظ، بأنها كانت تخبطهم في ظلماتهم بعدم إبصارهم.

ولا يخلو إما أن يكون ترك هنا متعديا إلى مفعول واحد أو إلى مفعولين؛ إن ضمن معنى صير وجعل كما تقدم، وعلى الأول فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من المفعول، وجملة { لا يبصرون } حال مرادفة، ويجوز أن يكون { في ظلمات } متعلقا بترك، و { لا يبصرون } حال، وعلى الثاني فالمفعول الثاني { في ظلمات } و { لا يبصرون } جملة حالية من المفعول أيضا، ولا يجوز أن تكون جملة { لا يبصرون } هي المفعول الثاني، و { في ظلمات } في موضع الحال، لأن المفعول الثاني خبر في الأصل، والأخبار لا تساق للتأكيد، ومن المعلوم أن من ترك في الظلمات لا يبصر، فإذا صرح بعدم إبصاره كان في هذا التصريح تأكيد لما سبقه.

[2.18]

اختلف في هذه الآية هل هي من ضمن التمثيل، أو هي خارجة عنه ويعود ما فيها من الوصف إلى المقصودين بالتمثيل وهم المنافقون؟ وعلى الأول فوجه علاقتها بالمثل أن مستوقدي النار لافتقارهم إلى الضوء تشتد حسرتهم، وتتضاعف مصيبتهم، إذا ما أتى عليها عاصف من الريح فأطفأها بعد إشراق ضوئها، وبدو منفعتها، كيف وقد فاتهم ما يأملون مما هم في أمس الحاجة إليه من الانتفاع بها؛ مع ضياع جهدهم الجهيد في إيقادها، فإذا ولي ذلك إلمام حادث فظيع ذهب بسمعهم ونطقهم، وإبصارهم، كان ذلك أنكى لهم، وأبلغ في حيرتهم، إذ لا أمل لهم يبقى في الاهتداء بصوت يسمع، ولا بشبح يرى، ولا بسؤال يجاب، فلا مناص لهم عن الاستسلام للأمر الواقع حيث لا داعي ولا مجيب.

Unknown page