Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
[يوسف: 15]، وهو آكد فيما يراد ذهابه من مجرد الاذهاب لوقوعه تحت رقابة الفاعل نفسه، بخلاف ما لو قيل أذهبه، إذ لا يلزم منه أن يكون ذهاب المفعول تحت إشراف الفاعل وحراسته، ثم استعمل هذا اللفظ حال قصد المبالغة، ولو لم تكن مصاحبة، ولم تتصور الحراسة، نحو قول القائل " ذهب بماله الدين ".
وجملة { ذهب الله بنورهم } جواب للشرط الذي تقتضيه لما على الصحيح، وهو الذي عليه الجمهور، ولا داعي إلى تكلف الزمخشري تقدير جواب قبله نحو (فلما أضاءت ما حوله خمدت فبقوا خابطين في ظلام متحيرين متحسرين على فوت الضوء، خائبين بعد الكدح في إحياء النار)، وهو مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه، وبناء على قوله هذا يكون قوله { ذهب الله بنورهم } كلاما مستأنفا استئنافا بيانيا جوابا لما ينشأ عن هذا الوصف من السؤال عن حال هذا المستوقد بعد خمود النار، وعلى هذا فهو داخل في التمثيل، أو يكون بدلا من جملة التمثيل بأسرها على البيان، فيكون مرجع الضمير فيه إلى المنافقين لعدم اتحاد البدل والمبدل منه، ويقرب من هذا الوجه الأخير ما ارتآه الإمام ابن عاشور، وهو أن يكون الضمير في التمثيل يعود تارة إلى المشبه وهو المنافقون، لأن الغرض الأصلي الاخبار عن انطفاء نور الايمان منهم، وشبهه بتجريد الاستعارة المفردة، وعد من محسناته جمع التمثيل بين ذكر المشبه وذكر المشبه به، فالمتكلم بالخيار في مراعاة ما شاء منهما، لأن الوصف لهما، فما ثبت للمشبه به يلاحظ كالثابت للمشبه، ومن مراعاة الأمرين إفراد الضمير تارة وجمعه أخرى، ولأجل ذلك اختير هنا لفظ النور عوضا عن النار المبتدأ به تنبيها على الانتقال من التمثيل إلى الحقيقة، للدلالة على أن الله أذهب نور الايمان من قلوب المنافقين.
وعد ابن عاشور هذا من الإيجاز البديع لإفادته ذهاب نور الايمان من قلوب المنافقين كما تنطفئ النار بعد اتقادها، وذكر أنه أسلوب لم تكن العرب تعهده، فهو من أساليب الإعجاز، وجعل قريبا منه قوله تعالى:
بل قالوا إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوهآ إنا وجدنآ آبآءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآءكم قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون
[الزخرف: 22 - 24]. حيث جمع ضمير الخطاب في { أرسلتم } حكاية لخطاب أقوام الرسل بمعرض جواب سؤال النبي صلى الله عليه وسلم الموجه إلى قومه بقوله { أولو جئتكم } وبهذا يكون ما في هذه الآية موافقا لما في التشبيه الآتي من قوله { يجعلون أصابعهم في آذانهم } فإنه يتعين رجوعه لبعض المشبه به دون المشبه.
والذي يقوله ابن عاشور لا يبعد مما قاله الزمخشري على الوجه الأخير، وإنما الفارق بينهما أن جملة " ذهب الله بنورهم.. الخ " خارجة عن التمثيل عند الزمخشري، على هذا الوجه، وداخلة فيه عند ابن عاشور، ولكن التفت فيها إلى المشبه كما يفرق بينهما أنها جواب " لما " عند ابن عاشور، وجوابها عند الزمخشري مقدر كما ذكرت من قبل، وما ذكره الزمخشري من الجواب المقدر ينكشف للفهم على ما ذهب إليه ابن عاشور ولو بدون تقدير.
وإذا رجعت تتأمل ما أوردته من آراء السلف في الآية الكريمة علمت احتمال أن يكون ذهاب هذا النور ممن ضرب فيهم المثل - وهم المنافقون - في الدنيا والآخرة معا، فأما ذهابه في الدنيا فما يعتريهم من الشكوك فيما أدركوا حقه من عقيدة التوحيد، وعلموا صدقه من رسالة النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، وما يتبع هذه الشكوك من رسوخ الكفر في نفوسهم واستحكام الضلال، وأما في الآخرة فإن المنافق بمجرد موته أو إشرافه عليه تنكشف له حقيقة الأمر ولا يعود ينفعه ما كان يتشبث به في الدنيا عند الناس من تدين ظاهري، وهو معنى ما سبقت روايته عن ابن عباس رضي الله عنهما.
وبما أن الامام محمد عبده يرى أن هذا المثل في اليهود ومن كان على شاكلتهم كما سبق، ذهب في تطبيقه عليهم إلى أنهم استوقدوا نار الهداية الالهية بفطرتهم السليمة عندما صدقوا رسله، فلما أشرقت لهم، واستنارت لهم الطريق، انحرفت بهم التقاليد والعادات وصرفتهم عنها المنافع التي يتوهمونها والفوائد العاجلة التي يقصدونها، فحرموا الانتفاع بذلك النور واستبدلوا به ظلمات الليل البهيم.
ومهما قيل في معنى المثل فليس فيه ما يدل على أنهم أجبروا على الزيغ عن الهدى إلى الضلال، وعن النور إلى الظلمات، وإنما كان ذلك باختيار أنفسهم، وعندما يركن أحد إلى الضلال، وينحرف عن طريق الاستقامة، يتوالى عليه خذلان الله سبحانه فيسلبه نور الفطرة باستحبابه العمى على الهدى.
وفسر ابن عباس - رضي الله عنهما - النور بالإيمان، رواه عنه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأخرج ابن جرير وعبد بن حميد نحوه عن مجاهد وقتادة، ورواه ابن أبي حاتم عن عكرمة، والحسن، والسدي، والربيع بن أنس، وروى مثله عن الضحاك.
Unknown page