Jawāhir al-Tafsīr
جواهر التفسير
[الجن: 23]، وهذا من باب التفنن المحمود في البلاغة، وعليه يحمل اختلاف الضمائر هنا، فقد روعي لفظ { الذي } في { استوقد } ومعناه في { ذهب الله بنورهم }.
واستوقد بمعنى أوقد لترادف استفعل وأفعل أحيانا، ومنه استجاب وأجاب، واستنار وأنار، ويجوز أن يكون بمعنى طلب الوقود كاستعان بمعنى طلب الإعانة، واستغاث بمعنى طلب الاغاثة، نظرا إلى أنه بمباشرة الأسباب والأخذ في الوسائل طالب لما تفضي إليه هذه الوسائل والأسباب، أو أن المراد طلب من غيره الايقاد والأول أظهر.
والإضاءة فرط الإنارة، ويستعمل فعل أضاء لازما ومتعديا، لتجرده تارة عن الهمزة كقول العباس - رضي الله عنه - في النبي صلى الله عليه وسلم:
وأنت لما ظهرت أشرقت الأر
ض وضاءت بنورك الأفق
واقترانه بها تارة مع كونه بمعنى المجرد، وأخرى للتعدية، ويحتمل أن يكون هنا لازما ومتعديا، فإن حمل على اللزوم (فما) هي الفاعل، وجاز تأنيث الفعل لاعتبار التعدد في معنى { ما حوله } ، لأن المراد به الأماكن المحيطة بالمستوقد، وهي متعددة، فإن الخلف غير الأمام، واليمين غير الشمال، وعضد الزمخشري هذا التأويل بقراءة ابن أبي عبله " ضاءت " بالتجريد، وذكر الزمخشري وجها آخر وهو أن يستتر في الفعل ضمير النار، ويجعل الحول ظرفا و(ما) إما مزيدة أو موصولة، بمعنى الأمكنة، وإن حمل على التعدي (فما) موصول مفعول به، و(حوله) صلته ويراد تصييرها الأماكن التي حول المستوقد منحسرا عنها الظلام.
والحول يراد به المكان القريب لما أضيف إليه، ويرى الزمخشري أن تأليفه للدوران والإطافة، ومنه تسمية العام حولا لأنه يدور، ولم ير لزوم ذلك ابن عاشور، والأظهر أن النظر إلى الدوران فيه حكم غالب وليس لازما.
والمراد بذهاب الله بنورهم إطفاء النار التي هي مصدر النور، وإنما ذكر النور دون الضياء إما لأن ذهابه يستلزم ذهاب الضياء بناء على ما تقدم من أن الإضاءة فرط الإنارة، وهو يعني أن النور أعم من الضوء، ولا بقاء للأخص مع ذهاب الأعم، وإما لأن المراد تلاشي فائدة تلك المظاهر الاسلامية التي كان المنافقون يخدعون بها المؤمنين، وقد شاع التعبير بالنور عن الاسلام في القرآن، فصار اختيار لفظه أنسب.
وإنما عبر بالذهاب بالنور دون إذهاب النور لما في ذلك من المبالغة، فإن أصل استعماله أن يكون مع استصحاب الفاعل للمفعول به، نحو قوله تعالى:
فلما ذهبوا به
Unknown page