273

وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى

[فصلت: 17].

وفسر ابن عباس - رضي الله عنهما - الضلالة هنا بالكفر، والهدى بالايمان، وقد تقدم معنى الكلمتين في تفسير الفاتحة الشريفة.

ولسائل أن يسأل، كيف استعاضوا الضلالة بالهدى مع أنهم لم يكونوا مهتدين من قبل، على أن قطب الأئمة - رحمه الله - فسر في هيميانه اشتراءهم الضلالة بالهدى ببقائهم على الضلالة وإعراضهم عن الهدى.

والجواب أنهم كانوا متمكنين من الهدى، إذ لم يكونوا مكرهين على الضلالة، وقد لاحت لهم أعلام الحق، وأشرقت بين أيديهم أنوار الحقيقة، وإنما رفضوه من تلقاء أنفسهم على أن الدين القويم هو نفسه فطرة الله التي فطر الناس عليها، فما من أحد إلا وهو مفطور عليه، غير أن البيئات الفاسدة، والتربيات المنحرفة، وإيثار العاجلة على الآجلة، هي السبب في انتزاع هداية الدين، والحاجز بين النفس والانتفاع بهذه الهداية.

ومن المفسرين من يحمل هذا الوصف على قوم آمنوا من قبل ثم ارتدوا في سريرتهم، وهم المعنيون بقوله تعالى

كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم

[آل عمران: 86]، وقوله

ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون

[المنافقون: 3]، وهو معنى ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم، وعبد بن حميد عن مجاهد، قال آمنوا ثم كفروا، وهو مقتضى قول قتادة: قد والله رأيتموهم خرجوا من الهدى إلى الضلالة، ومن الجماعة إلى الفرقة، ومن الأمن إلى الخوف، ومن السنة إلى البدعة.

Unknown page